المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : لشيخ الوالد /عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري حفظة الله


الحوشية
11-12-2006, 02:38
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/0.jpg


صدر اليوم في ملحق الجزيرة الثقافي عدد خاص يتكلم فيه عن الشيخ /عبدالعزيز التويجري امد الله في عمره
والشيخ حفظة الله قدم للمدينته الشيء الكثير ومنها
مجمع التويجري التعليمي والتاهيل الشامل ومقر الفيحاء وغيره الكثير
ولو صدر اكثر من ملحق فلن ولن يفيه حقه
وهذا هو رابط الملحق

http://www.al-jazirah.com/culture/index.html

وسنقوم بنشر المقالات التي كتبت لتحفظ في سجل المنتدى للرجل بار بمدينته المجمعة مع تمنياتي له بالشفاء العاجل
------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/1.jpg

تثقيف العسكر
إبراهيم عبدالرحمن التركي

** ربما تأخر هذا العدد طويلا لعاملٍ أوحد متصلٍ بوجود صاحبه في (الحياة العامة)، وارتقاء (الثقافية) على تُهمة (زلفى) لم تعتدها ولن تجد من يحاسبها ذات يوم على مثلها.. وحين عزمنا على إصداره (قبل عام تقريباً) تسوّف النشر بسبب تسويف المشاركين..!
** قرأنا الشيخ في كتبه وخطبه، وعرفنا منها مثقفاً ذا بيان، وتابعناه في (الجنادرية) - يوم كانت - وأدركنا وعيه وسعيه، ثم غاب يوم غابت ولو حضر وحضرت، فليس بالاسم وحده تحيا الثقافة..!
** مرة واحدة التقى فيها صاحبكم بالشيخ حين قدِّر له أن يشارك في (لجنة المشورة)، فقد افتتح اللقاء بعفوية وتلقائية ليس فيها (أثر) من خيلاء (المتنبي)، كما لم تَعُدْ بها خيول المدلجين في السرى والمصبحين بعده بعده..!
** كان الشيخ - رغم وهنه - هادئاً، بسيطاً، أوحى للحاضرين أنهم «الركب» وفهمنا أنه قد «ضجر من عناء الطريق»..
** لعله أدرك أن الجنادرية لن تعود، وانفض سامرنا وأيقنا معه أن رحم الله زمان اللّبن..!
** عمل هذا الرجل لتثقيف العسكر لا لعسكرة الثقافة، ويستحق - الآن - أن يُدرس بتجرد وحيادية وإنصاف، فقد قدّم للتاريخ وآن أن يتقدم في سطوره..
** العمل معيار..!

--------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/2.jpg

التويجري .. الأمين المؤتمن:
النَّائي عن الأضواء المُلاحَق بالذِّكْر!!
إدريس بن عبدالله الدريس

.. كيف تحكي عن كبير؟
.. وكيف تُحيط بالمحيط؟
.. وكيف تُصدِّر المُتصدِّر؟
لا بأس.. فهذا لن يحدث
لكنه محاولة إدراك الجل.. عوضا عن استحالة إدراك الكل.
.. فإن كان ذلك كذلك فإن الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري أمد الله في عمره ومتعه بالصحة والعافية يتموضع بمنطق الحسابات الرياضية في خانة الجمع والزائد فقد جمع وزاد من الطاقات والصفات والقدرات ما جعله (الرجال) عبدالعزيز التويجري ولا غرابة في ذلك فثمة رجال خلقوا ليفتح لهم التاريخ أبوابه عنوة يدخلوا من أيها شاءوا.
والشيخ عبدالعزيز التويجري دخل من باب الفكر والثقافة - وإن متأخراً - فكان خير داخل.
ودخل من باب الإدارة - في سن مبكرة - فكان (العراب).
إن كثيراً من التحديثات والتغييرات الإيجابية اللافتة التي طالت قطاعا كان ينظر إليه - قبل ثلاثة عقود - بالهزء وتصمه ألسنه الناس الحداد بالتخلف والجهل إنما تسربت بهدوء من تحت عقال الشيخ عبدالعزيز وهو الذي كان - منذ ذلك الوقت - ذراعاً يمنى لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز.
لقد تحول (الحرس الوطني) خلال سنوات عدة من حالة محو الأمية المتفشية في أكثر ألويته إلى منارة فكرية، وهذا شاسع فارق بين الهدفين الكبيرين.
فقد ران في الأذهان العربية صلافة وصرامة القطاعات العسكرية ولم يكن من الميسور أن يتغير هذا الانطباع السائد والراسخ لكن قطاع الحرس الوطني استطاع أن يستنبت لنفسه أذرعة علمية وثقافية فكرية على قدر أسهم في تعليم وتنوير وتمدين منسوبيه وفوق ذلك أشاد لهذا الوطن مهرجانا ثقافيا عاليا وهو (الجنادرية) التي صارت بندواتها ومماحكاتها الفكرية قبلة لأساطين الفكر العربي والعالمي وهو الذي ساعد - تقريباً - في تعريف الغير بنا، واطلاع (الآخر) على وجهنا (الآخر) وقد أتاح المهرجان لمثقفي هذه البلاد الاحتكاك الشخصي بمفكري ومثقفي العالم العربي.
ولعل هذا التقارب والاحتكاك قد أسهم في ايجاد انطباع إيجابي عنا نحن السعوديين في نفوس هؤلاء المثقفين وبالمقابل فلعله - التقارب - قد أزال عقدة الدونية التي كان يختزنها المثقف السعودي في مواجهة المثقف العربي دون مبرر مقنع.
بل على العكس من ذلك فقد أسهمت المقاربة الشخصانية التي كانت تحدث على هامش الجنادرية بين المثقف السعودي والعربي.. أقول: إنها أسهمت في تعرية الكثير من المفكرين العرب وكشفت مثالياتهم المدعاة في كتبهم.
ليس هذا فحسب فقد كان تعبير (الحرسيين) عن اهتمامهم الثقافي يظهر كل شهر في مجلة شهرية رصينة.
وفوق ذلك فإن مكتبة الملك عبدالعزيز إنجاز ثقافي بارع بندواتها وإصداراتها ومحتوياتها.
كل هذا وفوقه يحسب لكل الذين تواتروا على قطاعات الحرس الوطني والشيخ التويجري في المقدمة من أولئك وهو الذي أمضى أكثر سنوات عمره في خدمة هذا الصرح.
سألت أحد (شياب) الحرس الوطني المتقاعدين: ما هو سر عبدالعزيز التويجري؟
أجابني: أبو عبدالمحسن - يحفظه الله - عدو الروتين فقد كان ضد الإجراءات الإدارية الطويلة التي تتعقب وتترصد بعض المعاملات.. ولهذا كان ملاذاً لكثير من المراجعين عندما تتعطل معاملاتهم لأنه، أي: التويجري يقضي ويمضي بإنجازها على الفور.
قلت له: بس؟
قال لي: كان - شفاه الله - يأخذ الصلاحيات وينتزعها انتزاعاً من بين مكاتب عبدة وخدم البيروقراطية.
قلت له: أحسن والله.. فالصلاحيات تؤخذ - أحياناً - ولا تعطى.
التفت إلى هذا الشايب الوقور واستزدته عن الشيخ فقال:
كان أبو عبدالمحسن رجلاً دؤوباً.. متحركاً.. متسامحاً ومتطلعاً ومتنوراً.
يكره الركون.. وينبذ الجمود.. ويأنف الذرائع.. يستقرئ المستقبل في الحاضر
ويصدق استقراؤه فتحسبه منجماً
هذا هو أبو عبدالمحسن النائب والإداري الخبير والمحنك الذي أخلص لعمله ردحاً طويلاً من الزمن، جاء على حساب اهتماماته الفكرية التي قيض الله لها أن تخرج - بعد حين من الدهر - تباعاً في مؤلفات لتلفت الأنظار إلى هذه القدرات الابداعية التي كادت أن تواريها محرقة العمل وكادت أن تغمرها ملفات وهموم الوظيفة.. وأوشكت أن تندثر في غيابة جب المسؤوليات الجسام والمهام العظام التي كانت تناط بأبي عبدالمحسن لكنه - ولله الحمد وإن متأخراً - تداركها فتداركت صوالين الثقافة مفكراً عربياً مهماً قدم للمكتبة المحلية والعربية كتباً تجمع في تناولها بين التاريخ والتوثيق الذي عني بتاريخ الملك عبدالعزيز مستنداً في ذلك على معايشته للموحد ومحبته له، معززاً ذلك بوثائق خاصة ونادرة يحتفظ بها جمعها في مؤلفه (لسراة الليل هتف الصباح) كما تراوحت كتب المفكر الأديب عبدالعزيز التويجري الأخرى بين الحس الأدبي المتأمل وبين الاستقراء الفلسفي.
الأمين واليد اليمين
يعرف كل القريبين والبعيدين.. كباراً وصغاراً، نساء ورجالاً العلاقة الحميمة والفارقة البعيدة زمنياً القريبة نفسياً وقلبياً بين خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز - يحفظه الله - والشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري - عافاه الله - فقد كان منذ وقت مبكر زميله ورفيقه وصديقه وكان الأمين المؤتمن عند عبدالله بن عبدالعزيز ولهذا صار مندوبه ورسوله في المهام وحامل رأيه والمعبر عن مكنونه.
وكلما تقادم الزمن بهذه العلاقة زادت رسوخاً وتجذراً في صورة معبرة عن الحب الذي تنبته شجرة الوفاء والإخلاص البشري، ولهذا فلا غرابة أن يصبح عبدالعزيز التويجري اليد اليمنى والرجل الأمين لعبدالله بن عبدالعزيز.
ولا غرابة أن يجد التويجري من لدن خادم الحرمين الشريفين كل محبة وتكريم وتقدير مستحق.
إنها لفتة يسيرة وزهيدة من (الجزيرة) لإكرام هذا الرجل.. الرجل.
وهي قطرة بسيطة في بحره اللجي المحتشد خلال هذا العمر المديد بالعطاءات الإدارية والفكرية والخيرية والأبوية.
بل ذبالة ضوء شحيح في مسيرته العطرة والعامرة.
وهي كوة صغيرة.. وباب موارب على حياته المديدة.
وحري بالجميع جعل النوافذ والأبواب مشرعة لتكريم الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري..
الذي ينأى عن الأضواء فيلاحقه الذكر..
ويبتعد عن الذكر فينصفه الشكر..
ويتواضع عن الذكر والشكر فيرتفع التواضع
------------------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/4.jpg
شيخ البادية
سليمان العيسى

صديقك.. شيخ البادية عبد العزيز التويجري مريض..
إنه في المستشفى. لا بد أن تسأل عنه فالرجل يحبك.. وما أشك في أنك تحبه.
وتحمل له أطيب الذكريات وتنزله في نفسك المكانة التي يستحقها.
ألقى إلي صديقي النبأ على الهاتف.. وطارت بي الذكرى إلى شيخ الرمال السمر.
هذا العصامي الذي استطاع أن يبني من نفسه جسراً للثقافة والأصالة العربية، يمده بينه وبين العالم، عبد العزيز التويجري.
إني أراه أمامي الآن يحملنا على جناحين من الحب والكرم إلى خيامه التي نصبها في أعماق البادية، بادية نجد وأشهد أني ما مررت في حياتي برحلة أمتع ولا أجمل من تلك الرحلة التي حملتنا إلى بادية نجد، قبل بضع سنوات كان ذلك بمناسبة مهرجان (الجنادرية) المعروف، وكنت أحد المدعوين إليه.
لقد اختار لنا شيخ الرمال السمر هذه الزيارة يومئذ ليردنا إلى جذورنا الأولى، إلى منابعنا العربية الرائعة في قلب نجد..
امرؤ القيس، عنترة، طَرَفة، النابغة، زهير، وكل الجميلات اللواتي فَجَّرت قصائد الحب والبطولة في صدورهم، ورقَرْقَتها على شفاههم، لا بد أن يكونوا جميعاً قد مروا هنا، وتحركوا هنا، وغنَّوا أجمل أشعارهم هنا.
ما أجمل أن ألتقي ذكرياتي القديمة، يربطني بها شيخ الرمال السمر، أن أشاهدها عياناً، أن أحسها تتحرك أمامي الآن!
كنت واحداً من القافلة الكبيرة من كتاب العرب وشعرائهم الذين استضافهم عبد العزيز التويجري في خيام عبلة وفارسها - والعبارة له -، كان شيخ البادية يحيطنا بكل ما يملك من الرعاية، والحب والأصالة.. وكنت أشعر أني أعيش التاريخ في كل لحظة، وأنا اجتاز رمالي، السمر.
أَطْلقْ صهيلَكَ.. هذا الرملُ والطَّلَلُ هذي جُذورُكَ في عينيكَ تشتعلُ
يا دارَ عبلةَ.. إني دَمْعةٌ طَفَرتْ ورحتُ في شهقةِ الصحراءِ أَرتحِلُ
وما تلبثُ الحافلة الأنيقةُ التي كانت تُقِلّنا، أن تحط بنا في رحاب مجموعة من الخيام، لا أجمل ولا أبهى؛ ونترجَّلُ، وأنا أتابع أبياتي التي بدأتها قبل قليل:
طفولتي في يدي.. أذرو براءتها على الطريق، فعمري مورقٌ خضِلُ
وتوقظُ الخيمةُ الزرقاءُ أُغْنِيَتي فاللحنُ بيني وبين الدهرِ مُتَّصِلُ
وعلى باب الخيمة الزرقاء الواسعة، يقف العصامي الجليل، شيخ الرمال السمر، عبد العزيز التويجري ليستقبلنا ويصافحنا واحداً واحداً، ويلتقط الصور التذكارية معنا. وكنت أحد الذين شد على يدهم بقوة، مرحِّباً بشاعر النضال العربي، كما آثر أن يسميني، ولم يتركني أغيب عن رعايته لحظةً في تلك الزيارة كلها.
صديقك شيخ البادية عبد العزيز التويجري مريض.. إنه في المستشفى.
لكم وددت أن أحمل إلى هذا العصامي الكبير باقة من ياسمين دمشق أطوق بها عنقه، وأخرى من (عرار نجد) ألقيها بين يديه، متمنياً له الصحة والشفاء العاجل.
أيها الصديق الجليل: تعودت بوادينا أن تُنبتَ الرجال على مر الزمن وأشهد أنك واحد من هؤلاء الرجال الذين أنبتتهم أرضنا السخية، اقبل في ختام هذه الأسطر تحيتي ومحبتي وذكرياتي الباقية

الحوشية
11-12-2006, 02:40
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/3.jpg

التويجري.. مؤلفات متبرجة بزينتها
عبد الله بن إدريس

الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري أشبه ما يكون في نتاجه الذي تأخَّر خروجه إلى الناس حتى بلغ الستين من عمره المديد إن شاء الله؛ أشبه ما يكون في رأيي بالنابغة الذبياني زياد بن معاوية.. الذي لم يُؤثر عنه شعر في النصف الأول من عمره.. ولكنه (نبغ) في النصف الثاني حتى صار من مشاهير الشعراء العرب في الجاهلية.
* * *
قد تكون المعرفة الإنسانية والفكر والأدب حبيسة صدور حامليها فترةً من الزمن قد تطول بامتداد عمر حامليها قبل أن تتبرَّج بزينتها على أوراق الكتب وصفحات التاريخ وألسنة الناس.. وهكذا كانت كتب عبد العزيز التويجري نسيجة وحدها.
هكذا هي حالة الشيخ عبد العزيز التويجري الذي اكتنز عطاءه الجميل حتى أعانه الله فأخرج رصيده تباعاً، وعلى مستويات رفيعة.. فقد عكف على الإنتاج الصامت، وتحت سراديب التردُّد بين سرِّيَّة ما أنتج وعلانيته. ولقد جاء نتاجه الذي طبخه على نار هادئة شهياً ولذيذاً.. بدأه بالحديث عن معشوقه ومحبوبه: (في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء).. ثم توالت بعد ذلك كتبه المتنوعة المضامين والموضوعات، وكان في قمتها كتابه الكبير حساً ومعنى: (لسراة الليل هتف الصباح) وثائق في تاريخ الملك عبد العزيز رحمه الله تعالى.
وحسْب هذا الكتاب الوثائقي أنه أصبح مادة خصبة تناولته أيدي الباحثين والمؤرخين كأحد المراجع المهمة والموثّقة عن تاريخ هذا الوطن، وعن مؤسِّس الدولة السعودية الثالثة وموحِّد كيانها في العصر الحديث وباعث الأمن في ربوعها.
كنتُ أظنّ أبا عبد المحسن التويجري سيكتفي بهذا الكتاب الضخم (800) صفحة وينام قرير العين بما لقيه كتابه من أصداء واسعة لدى الأدباء والمثقفين والمؤرخين والصحفيين الذين أعطوه من الثناء ما هو أهله ومستحقّه.
ظننتُ أنه سيجعل هذا الكتاب مسك ختام حياته.. إلا أنه استمر في العطاء الجيد والمتجدِّد.. فأصدر بعده عدة إصدارات.. منها ما يشبه السيرة الذاتية ككتابه (ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن).
وكعادته - شفاه الله وعافاه - أتحفني بهذا الكتاب كالذي قبله.. ولكني لا أدري كيف أخذ مني هذا الكتاب اهتماماً أكبر من الكتب الأخرى التي كتبتُ عن بعضها وضاعت مني.. إذ لا أذكر في أيّ صحيفة نشرتها.
أما هذا الكتاب (ذكريات وأحاسيس) فقد كتبتُ عنه ثلاث مقالات في زاويتي الأسبوعية في جريدة (الجزيرة) التي بدأت الالتزام بها في 15-8-1420هـ ولا زلتُ كذلك حتى كتابة هذه السطور.
ذكر الشيخ عبد العزيز في إهدائه الكتاب إليَّ أنه (وصل إليه الكتاب من بيروت للتوّ، وأنه لم يُرَ حتى الآن..). وهذا إحساس واهتمام نبيل من أبي عبد المحسن نحو أخيه أشكره عليه.. والكتاب تضمّن (39) خاطرةً.. كلها تأمُّلات ومحاولات لفلسفة حياته مع تفتُّح وعيه بالحياة.. ومع المجتمع الفردي الذي تخيّم عليه الأمية. ويحاول الكاتب تجسيد حوار مع نفسه أو مع شخوص قد تكون واقعية، وقد تكون وهمية، وهي الأكثر في هذا الكتاب.
الشيخ التويجري عنده خوف من القادم الغامض الذي يكتسح هيجانُهُ كثيراً من مظاهر الحياة الإنسانية السائدة عبر آلاف السنين.. هو خوف له ما يبرِّره إلى حدّ ما.. ولكن ليس إلى الحدّ الذي يتصوّره الشيخ عبد العزيز في بعض خواطره المتشائمة. فعندنا نحن المسلمين ما يمكن أن أسمِّيه حاجزاً أو سياجاً فيه المتعة والاعتصام بحبل الله المتين ما ظللنا متمسكين بكتاب الله وسنة رسوله محمد صلى الله عليه وسلم اعتقاداً، وعملاً، وأقوالاً.. وبخاصة أن عندنا الوعد الحق من الصادق المصدوق: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرُّهم مَن خذلهم ولا مَن عاداهم حتى يأتي وعد الله)؛ يعني: حتى قيام الساعة.
أما أين تكون هذه (الطائفة المنصورة)؟ فذلك علمه عند الله.. ولكن المرتكزات الأساسية لهذه الطائفة هي الحكم والتحاكم إلى الوحيين: الكتاب والسُّنَّة.. وحيثما وجد العمل بهما وجدت الطائفة المنصورة. وما هو قائم ومُشاهَد الآن في العالم يدلُّ على أن الطائفة المنصورة ليست أقلية إسلامية.. كما قد يتصور البعض من لفظ (الطائفة).. فأرجاء الأرض مملوءة الآن وما بعد الآن بالذين ينطبق عليهم وصف الطائفة المنصورة. وليس شرطاً أن تكون هذه الطائفة غير ذات ذنوب: (لو لم تُذنبوا لجاء الله بقوم يُذنبون فيستغفرون فيغفر لهم) الحديث.
* * *
يعدّ الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري أحد أعلام هذا الوطن ورجالاته الكبار، وهو الذي عاصر كل ملوك البلاد الستة وعمل معهم ابتداءً من الملك المؤسِّس الذي هام به التويجري حباً - كما كل السعوديين - مروراً بالملوك سعود وفيصل وخالد وفهد وصولاً للملك عبد الله الذي يرتبط معه الشيخ التويجري بعلاقة مميّزة ولافتة تجسّد المحبة في أجلى صورها، والتفاني في أخلص أدواره، وتجسّد الوفاء البشري في أصدق معانيه.
* * *
تحية طيبة لأبي عبد المحسن التويجري في يوم تكريمه - المبدئي - في (المجلة الثقافية) الصادرة عن جريدة (الجزيرة)، سائلاً الله له الشفاء العاجل والعافية وسعادة الدنيا والآخرة
---------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/7.jpg

حاضن التاريخ
عبد الرحمن الشبيلي

قليل هم الذين - من غير دارسيه والمتخصصين فيه - من اهتم بالتاريخ واعتنى بروايته وجمعه وقراءته.
وقليل هم من إذا قرأوه درسوا أسباب الحوادث، وبحثوا في العِلل، وربطوا بينها وبين النتائج، أو ما يعرف في العصر الحديث بفلسفة التاريخ وتفسيره.
وعبد العزيز التويجري، من مثقفي الكتاتيب والحِلق والمدارس القديمة، لم يحضر جامعة، ولم يتتلمذ على أكاديميين، لكنه عشق الأدب والتاريخ، وعندما كتب عن حوادث عصره تناولها بأسلوب حديث، وعلى أصول علمية، فألّف كتباً بطرق تختلف عن معظم من سبقه.
لقد صدرت عن المملكة مجموعات من الكتب، كان منها من قام بتأليفه مؤرخون تقليديون قدامى من أمثال: ابن بشر وابن غنام والفاخري، وصدرت كتب لاحقة من تأليف سعوديين من أمثال أمين مدني وماجد كردي وعبد القدوس الأنصاري وحمد الجاسر وأحمد السباعي، ومن أجانب مثل فيلبي والريحاني، ومن أكاديميين مثل د. عبد الله العثيمين ود. عبد الله العسكر ود. فهد السماري وغيرهم، لكن كتابات الشيخ التويجري كانت مختلفة لأنها مزجت المعلومة بالوثيقة، ودعمتها بالتحليل النفسي، وربطتهما بالظرف الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، وذلك فضلا عن توظيف العبارة الأديبة الرصينة، بطريقة لا تغير المقاصد وأغراض التحليل والتفسير والاستنباط، وهو نهج سار عليه من قبل شيخ المؤرخين الأكاديميين د. عبد العزيز الخويطر في كتبه التي تناول فيها بعض حوادث التاريخ.
وظهر في بلادنا كتّاب آخرون نذروا أنفسهم لاحتضان التاريخ الوطني من أمثال الأستاذ عبد الرحمن الرويشد وعبد الله نور والشيخ سعد الرويشد، لكنهم قلة - كما أشير في البداية - لدرجة أن الإنسان يتمنّى لو امتدت بوالص شركات التأمين لإصدار صكوك تساعد في أن يحتفظ المجتمع بذخيرة أدمغتهم وكنوز معلوماتهم، والأهم من ذلك اهتماماتهم التي كرّسوا حياتهم من أجلها.
لو لم يكن عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري إداريا سلك درب أخيه الأكبر مدير مالية بريدة، ثم وجد طريقه في رئاسة الحرس الوطني في معيّة خادم الحرمين الشريفين - أيده الله -، لكان المفترض أن يكون أديباً بامتياز، لكن التاريخ خطفه، تخصصا اعترض طريق الأدب والإدارة، لأنه عاش بعضاً من حوادث زمنه، وأصبح مسكوناً بحب وطنه، ومتيّما بسيرة رجل التاريخ وبطله (الملك عبد العزيز رحمه الله)، وشغوفاً بروايته، فحظي هذا التاريخ بنصيب من اهتماماته في العقد الأخير، أفرغ فيه شيئاً من ولعه وعشقه دون أن تؤثر ميوله في صدقيّة نظرته التحليلية كما ذكرت.
هكذا هو شأن كتاباته في التاريخ، نهج فريد سار عليه التويجري من حيث الربط بين القصة والمعلومة والوثيقة، والتشريح الإنساني للظروف المحيطة بالزمن والمكان والبيئة والوقائع.
إنه أحد سراة الليل خلال القرن، الذين طال بهم السفر والإدلاج، حتى انبلج لهم الصبح وهتف لهم ضوء النهار، بأن قَدَرَ هذه البلاد، أن يعود إليها التاريخ، بكل ما كان عليه من قوة ومنعة وازدهار، وأن تعود جزيرة العرب، على حال مكين من الوحدة والتوحيد والاستقرار.
حيّا الله مؤرخنا الكبير، تلميذ ابن خلدون، وألبسه ثياب الصحة والعافية، وشكراً للجزيرة الثقافية، التي فتحت نوافذها للإفصاح عن مكنونٍ ما كان له أن يظهر في غير هذا الإطار وهذه الصفحات

الحوشية
11-12-2006, 02:41
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/5.jpg
المتنبي كان واسطة لقائي مع التويجري
أ. د. محمد جابر الأنصاري

عندما جاء صوت عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري من قلب الجزيرة العربية مكتملاً ناضجاً، تساءل الكثيرون: أين كان هذا القلم من قبل؟ ولماذا لم نسمع به؟!
سؤال يعبر - للأسف - عن جهل الكثيرين من المثقفين العرب بحقيقة المعاناة التي مر بها جيل التويجري في زمنه.
وحدهم من أرخوا لحياة الكلمة في هذه المنطقة وعاشوها، يدركون ببساطة سبب ذلك الصمت الذي سبق الانبثاق المكتمل.
لم يكن صمتاً.. كان كلاماً هامساً مع النفس ومع التراث ومع الأهل والوطن لم يجد له منبراً للظهور ولا مجالاً للنشر..
أعرف من دراسات باكرة الكثيرين من رجال الكلمة في البحرين والكويت الذين أحرقوا أو أغرقوا كتبهم المخطوطة خلال النصف الأول من القرن العشرين (من صقر الشبيب إلى عبدالله الزايد).
ومن حسن الحظ، أن أبا عبدالمحسن كان من الصبر بحيث احتفظت ذاكرته بأكثر ما لديه إلى وقت نشره في الثمانينيات من القرن المنصرم، لكني لا أستبعد أن يكون قد بقي لديه من (المسكوت عنه) نزراً غير قليل!
كان أول لقاء بيني وبينه - قبل أن التقي به شخصياً - على صفحات كتابه في (أثر المتنبي)ّ!
وحول المتنبي كانت له آراء ورؤى.. وكانت لي معه بشأن زيارته هذه للمتنبي خواطر وملاحظات وتحفظات... أعيد تسجيلها لهذا الملف الذي أقدر لصحيفة (الجزيرة) اهتمامها بإصداره عن علم من أعلام الحكمة في جزيرة العرب... فما يزال سجلنا الثقافي الحديث والمعاصر غير مكتمل، وأريد أن أقول بعالي الصوت إنها (ثقافة لم يصنعها النفط)(1).
وأول محذور يجب على القارئ والناقد تخطيه في مجال تقويم كتاب عن المتنبي، هو أن المتبنى شخصية محبوبة عند العرب جميعاً من بدو وحاضرة، وخاصة وعامة, وهذ الحب والإعجاب مرشح لأن ينسحب على ما يكتب عنه فيتم تلقيه بالقبول والرضا دون تدقيق في القيمة الفنية أو الفكرية أو النفسية لما كتبه الكاتب عنه.
فالكتابة عن المتنبي تشبه الكتابة عن خالد بن الوليد أو طارق بن زياد أو غيرهما من أبطال التاريخ. فالمتنبي بطل أدبي إن جاز التعبير، وهو قد دخل مستوى الأسطورة مثل غيره من الأبطال الذين اندمجوا بضمير الناس والأجيال. ومثلما يتحتم التدقيق فيما يكتب عن الأبطال... أو في (الجديد) الذي يكتب عنهم بمعنى الكلمة.. كذلك يتحتم التدقيق فيما يكتب عن بطل أدبي كالمتنبي الذي أصبح ثروة عربية (مؤممة) ومشاعة في البوادي، قبل الحواضر والذي يجالس البدو ويسمع منهم ويعرف معنى ما نقول عن هذه البيعة الاجماعية الشعرية لأبي الطيب من جميع أفراد الشعب العربي!
فهل (بيعة) عبدالعزيز التويجري.. مجرد صوت من أصوات هذه البيعة.. أم أنه صوت منفرد.. ذو عزف منفرد.. ومتميز؟ تلك هي المسألة...
الوجه الآخر:
ولكن للمسألة وجهها الآخر أيضاً... وهذا الوجه الآخر إن بعض الباحثين بدافع الاستقلال عن الرأي العام والتميز عنه، يذهبون إلى النقيض... فينقضون على قامة البطل ليهووا بها ويطرحوها أرضاً... كما فعل الدكتور طه حسين - المشهور بهذه الخصلة والمحب لمثل هذه المعارك - في كتابه (مع المتنبي).
طه حسين في هذا الكتاب لم يستعمل قلمه ولا ريشته. وإنما استعمل معوله وفأسه وشكك حتى في شرعية نسب المتنبي حيث قال، بأسلوبه الذي لا يخلو من تعريض، إن ولادة المتنبي كانت أثراً من آثار (الفساد) الذي عم الحياة العربية في القرن الرابع الهجري!
وإذا جاءت ولادة المتنبي - على يد طه حسين - بهذا الشكل فإن نهايته لم تكن أفضل.
للمتنبي بيت شعر سائر يقول:
وإذا ما خلا الجبان بأرض
طلب الطعن وحده والنزالا
يؤكد لنا طه حسين أن المتنبي لم يكن يعني إلا نفسه في هذا البيت، وإن قاتله الذي لحق به وأرده لم يذكره إلا بيئته هذا.. عندما أراد استفزازه للمبارزة القاضية.. وكل جديد عن المتنبي اليوم يجب أن يمر على ذلك الحبل المشدود بشدة بين رأي الناس في أبي الطيب ورأي طه حسين فيه أو من ينحو منحاه ويتشيع لمذهبه.. وما أخال الشيخ التويجري إلا ماشياً على هذا الحبل الدقيق وهو يحاول الوصول إلى كنز المتنبي المفقود في مكان ما من صحراء النفس العربية، التي لا تخلو، على جفافها، من ينابيع ووديان وعيون..
فهل وصل إلى ما يريد وقبض على لباب المتنبي وفتح قفله وأمسك بجوهره الشارد (شرود الأصالة العربية في زمن الزيف العربي الذي نعيش فيه)؟.
هذا يتطلب قراءة متأنية للكتاب، وأسلوب الكاتب يفرض عليك هذا التأني شئت أم أبيت. فكتابه لم يكتبه بالأسلوب الجاري هذه الأيام على أعمدة الصحف وأمواج الأثير المرئية والمسموعة.. ومادته ليست سندويتشات، وإنما مائدة عربية كالتي نعرف... والرسائل الخمسون التي يتألف منها الكتاب والموجهة في خطاب ذاتي لأبي الطيب نفسه، تبلغ من العمر خمسين سنة تأملاً ونمواً وامتداداً.
دور الحكمة:
فصفة التأني في الكتاب ليست في الأسلوب فحسب، وإنما هو تأن زمني، وتأن فكري نفساني ترك الأفكار والخواطر والسوانح تنضج على مهل، كما ينضج كل جديد في صحاري العرب بتريث شديد.. ثم.. ينبثق دفعة واحدة أمام الآخرين كأنه مفاجأة غير منتظرة.. ما أكثر ما فوجئ التاريخ بجديد الصحاري العربية.. القديم.. فلم يعرف كيف يتصرف معه، وسلم به، كما يسلم بغير المنتظر من الحادثات.
وأول ما يلفت النظر في التويجري عن المتنبي إنه ليس مبحثاً أكاديمياً أو نظرياً أو دراسياً بأي معنى من معاني الدراسة. كتاب التويجري يدخل في باب الحكمة الاختبارية وهي المعادل العربي للتأمل الفلسفي عند اليونان. فالحكمة عند العرب منذ أقدم العصور وقبل ظهور الإسلام - كانت تعني النظر المرتبط بالعمل، والتفكير المؤدي إلى الفعل والمنصب في قنوات اختبارية واقعية. حكمة المتنبي الشعرية هي من هذا النوع. فمداها هو مداد الحياة العربية والتجارب العربية، مع اتخاذ تجربته الحياتية بؤرة عاكسة لخلاصة تلك التجارب والأهل ما فيها من معان إنسانية باقية.
ما دعا التويجري إلى رحاب المتنبي هو هذه الحكمة الاختبارية الحياتية أيضاً، بالمعنى الشخصي وبالمعنى التاريخي والقومي العام، فكم مرت على العرب من دروس وضربات وتجارب بعد المتنبي للحياة العربية في عصره، لنرى مدى صدقها وانطباقها على السلوك العربي والمصير العربي في يومنا هذا وأيامنا المقبلة.. ونرى أخطاءها وهي تتكرر وكأنها القضاء والقدر لا نملك لهما رداً..!
ولكن قبل القيام بهذه المقارنة الخطرة التي أقدم عليها عبدالعزيز التويجري بين نبوءات المتنبي وعوائد العرب لا بد أن نبدأ بلقائهما الأول.. أعني اللقاء الأول بين المتنبي والمقتفي لأثره على درب المعاناة العربية.. لنرى طبيعة نهج التويجري في كتابه هذا، ونرى إلى أي مدى ما يزال أبو الطيب حياً حاضراً معاشاً في البوادي العربية، أكثر من حضوره في أي كتاب ومكتبة وجامعة، حياً حاضراً كما في هذا الموقف الذي قدم به كاتبنا لكتابه:
عزيزي أبا الطيب.. قبل خمسين عاماً قابلتك في وادي بلدتي، وفي ظل الشجرة، فتحت كتابك، ثم أصغيت إليك وأنت تجادل الزمن... رأيتك فوق ظهر الجمل جوّاباً من وادٍ إلى آخر ومن قبيلة إلى أخرى... تقف على الرسم تسأله أين أهلك.. رأيت هذا.. ورأيت أكثر منه عمقاً في التجربة والملاحظة، فما بين أميرك في حلب، والآخرين في مصر، أو سواها، تساءلت عن بناة الأهرام، كما تساءلت عن حيرة النجوم.
هي إذاً رحلة مشتركة، وإن اختلف الزمان واختلف بعض المكان، من الوقوف الشعري على الطلل.. إلى ذلك (الجدل الغارق في أعماق المشكلة البشرية) - حسب تعبير الكاتب - ذلك الجدل الحائر مع حيرة النجوم.
وهكذا تتحدد طبيعة هذه المرحلة: (ما نويت في رسائلي إليك أن أحمل فأسي وحبلي فأحطب من واديك الفكري والعقلي والنفسي وقوداً أطرحه لأحد على طريقه، لأبتاع له بضاعة من الصحراء، أبداً، فكرتي في هذه اللقاءات معك تحويل لشعبة من شعاب واديك في نفسي، لعلها تسقي أرض العطشى فتنبت فيها ولو شجرة استظل بظلها). جميلة هذه اللمحة التي لخصت لنا كل التجربة: (هذه اللقاءات تحويل لشعبة من شعاب واديك في نفسي).
هكذا تمازج لنا في صفحة واحدة مداد المتنبي بمداد التويجري، واختلط لنا في كأس واحدة شراب المتنبي بنكهة التويجري ومذاقه.. ولكن بقي العنصران متمايزين وإن اختلطا وتمازجا.. وبقي للتويجري لونه في حنايا الكأس.. وهو لون بعكس أشياء تزيد في قسوتها ومرارتها عن كل ما قاله المتنبي، ربما لأن زمننا العربي أقسى من كل ما عرفه المتنبي رغم قسوته.
ولعل ما يميز هذا الصوت الجديد، إنه صوت قادم من عمق الجزيرة العربية، معتق في بواديها، لم يخرج كصوت المتنبي إلى الشام والعراق ومصر.. بل إنه مستطيب للإقامة فيها يسراً أو عسراً.. (وأن طوّف فكراً ونظراً بتجارب العرب وتجارب العالم).
فكيف يتخاطب الصوتان العربيان، داخل الجزيرة وخارجها، وكيف يتعاتبان في زمن كثر فيه العتاب بين العرب هنا، والعرب هناك... وهو عتاب لم تنته مواويله بعد.. ثم ماذا أراد أن يقول التويجري على وجه التحديد؟
ذلك يتطلب قراءة متأنية لكتاب التويجري ولتراث المتنبي بأطيافه المتباينة.
وهكذا تواصلت رحلة الكلمة مع عطاءات التويجري وصولاً إلى كتابه الموثق في سيرة الملك الموحد عبدالعزيز آل سعود، الموسوم: (عند الصباح يحمد القوم السرى)... ربما يتعدى صناعة الشعر إلى صنع التاريخ.
وهو (صباح) علينا أن نحرسه اليوم، ليس في السعودية وحدها، وإنما في الخليج العربي والجزيرة العريبة والوطن العربي كله.. واللبيب من الإشارة يفهم....!
***
www.dr-mohamed-alansari.com
(1)عنوان الكتاب/ السجل الذي يعده الكاتب للنشر لمتابعاته في ثقافة الخليج العربي والجزيرة العربية منذ بدأ الكتابة قبل عقود.. ومن ضمنه هذه المقالة.

---------------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/6.jpg

عصامية الثقافة وثقافة العصامية!
عبدالرحمن بن محمد السدحان

* حين شرفتني (الجزيرة) الغراء بطلب مشاركتها مبادرتها النبيلة لتكريم معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري عبر ملحق خاص عنه، نازعتني الحيرة، واستبد بي السؤال: كيف ومن أين أبدأ حديثاً عن هذا الإنسان العملاق صيتاً وتاريخاً ومكانةً؟
* كان هناك هاجس يهمس في أعماقي أن أي شيء سأكتبه عن هذا الرجل سيسبقني إليه (ألف عكاشه) ممن عرفوه فأحبوه، وقرأوا له أو استمعوا إليه فأجلُّوه، وسيتبارى في الحديث عنه التمبارون من أولئك وهؤلاء، فماذا سيبقى لصاحب هذا القلم المتواضع من ذِكر يُذكَر حين يتصدى للحديث عن رجل في قامة العصامي تكويناً وثقافةً وأدباً، معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري؟!
* أعلمُ سلفاً، ومثلي الكثيرون، أن معالي الشيخ التويجري، خاض مسارات طويلة وصعبة ومعقدة عبر مدة تناهز ثلثي القرن في خدمة هذا الوطن ممثلاً بجهاز الحرس الوطني منذ نشأته الأولى، وكان معاليه خلالها نِعم الولي في كل ما كُلِّف به من مهام جسام!
* وأعلمُ سلفاً ومثلي الكثيرون، أن معاليه كان يعمل بإخلاص وولاء قريباً من سمع وبصر سيد هذا الكيان، خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، أيده الله، منذ أن تسلّم ولاية الحرس الوطني تشكيلاً وتكويناً، فكان له نِعم المساعد بعد الله في حمل أعباء البناء والتطوير لهذا الجهاز الحضاري الضخم، عُدةً وعَدداً!
* ورغم ما ذُكِرَ وما لم يُذكر من سيرة هذا الرجل الكبير، شخصياً ومهنياً وإدارياً، تظل هناك أمور ملفتة في حياته تستحق وقفات من التأمل ثم البوح بها جهاراً، أهمها أن له قامة ثقافية جميلة شكلتها عصامية نادرة وإرادة متينة، فهو ليس خرّيج جامعات، وليس من حملة (الدال) الذهبية التي يخطب ودَّها شباب اليوم، ويهفون إليها لسبب ومن دونه، لكنه مثقف ثقافة سخية نذر لها ذهنه ووجدانه عبر السنين، وخدمها بعصامية صافية لا تعرف الكلل ولا الملل، فكان يقرأ ويكتب ويتحدث في مجالسه عن شؤون الكون والتاريخ والحياة، ثم قرر منذ سنين خلت أن يُفرج عن مخزونه الفكري ممثلاً في عدد من الكتب القيمة، كان كل واحد منها حديثَ الخاص من الناس والعام.
* وبمعنى أكثر دقة، كان شيخنا التويجري عاشقاً للثقافة، مبدعاً فيها، وصانعاً لها، ويتمثل ذلك في عدد من المحاور، من أهمها ما يلي:
أولاً: يُصنِّفُ بعضُ المتابعين عن قرب لثقافة وعصامية الشيخ التويجري بأنه (الأب الروحي) لمهرجان الجنادرية للثقافة والتراث، وأنه نجح في خلق (توأمةٍ) رائعة بين التاريخ والتراث من جهة، وبين منجزات الحاضر وإبداعاته من جهة أخرى، فكان أن أصبحت (الجنادرية) رمزاً مضيئاً لحراك ثقافي شامل تشهده بلادنا منذ نحو عقدين من الزمن، فتشْرَئبُّ له الأعناق وتشدُّ إليه الرحال من داخل هذا الكيان وخارجه، عربياً وعالمياً، ويتبارى في إحياء وقائعه ويتسامر بشأنها المفكرون والمبدعون، أدباً وفكراً ومسرحاً.
ثانياً: يرتبط معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري بجسور قوية من الصداقات مع العديد من الرموز الثقافية في الوطن العربي، ويتواصل معهم عبر الكلمة المكتوبة والمسموعة، وكانت معظم هذه الصداقات رافداً مهماً لإثراء مهرجان الجنادرية كل عام، فكراً وشعراً وفناً!
ثالثاً: انتج معالي الشيخ التويجري العديد من الكتب الأدبية والتاريخية المؤثرة، أودعها جزءاً من (ترسانة) عصاميته الثقافية، تاريخاً وتأملاً لكثير من شؤون الناس والأدب والحياة.
وبعد،
فإن الحديث عن معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري معين لا ينضب، وما ذكرته في السطور السابقة ليس سوى فيض من غيض، وأدرك أن هناك من هو أذكى مني حيلةً وأجدى خبرةً وأثرى باعاً للحديث عن هذا الرجل الذي أشعل ذهنه فكراً وإبداعاً، فانشغل الناس به وبما صنع، وأحسب أنهم سيتحدثون عنه ويتسامرون بمآثره زمناً طويلاً.
* اختم هذه المداخلة باقتراحين:
* الأول، أن يبادر أديب ممن عرفوا شيخنا التويجري وعاصروا عصامية أدبه عن كثب وقرأوا آثاره واستمعوا إلى مداخلاته ومطارحاته الفكرية ليضع عنه كتاباً يؤرخ له مواطناً ومسؤولاً وأديباً وباحثاً ومفكراً، وأتمنى أن نرى هذا الكتاب قريباً بإذن الله، وينازعني الظن الحسن أن الصديق الدكتور أحمد بن عثمان التويجري، المربي والشاعر والأديب المعروف، ربما راق له هذا الاقتراح بالتصدي له تفكيراً وتنفيذاً، فهو، فيما أعلم، من بين (حواريي) شيخنا الأديب الكبير، وله من المعرفة به في المسارات التي ذكرتها ما يمكّنه من الكتابة عن هذا الرجل كتابة تليق به توثيقاً لمآثره وتكريماً.
* أما الاقتراح الثاني فهو أن يكون معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري ضيف (مهرجان الجنادرية) لهذا العام 1427هـ فقد آن الأوان لتكريمه حياً، من قبل هذه المؤسسة الثقافية العملاقة التي أسهر لياليه وأشقى أيامه سنيناً هو من معه من الأخيار، ليجعلها ملء الأسماع والأبصار، محلياً وعربياً، ودولياً!
* حفظ الله أبا عبدالمحسن، وكساه حُللاً من العافية والقوة ليستأنف حضوره المؤثر في ذاكرة الثقافة والمثقفين.

الحوشية
11-12-2006, 02:42
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/8.jpg

التويجري وفن كتابة الرسائل الحديثة
د. عبدالعزيز المقالح

أسئلة كثيرة تنداح في البال عند الحديث عن فن الرسائل، وهل هو قديم أم حديث؟ وهل في إرثنا الأدبي الحضاري ما يعد جذوراً لهذا الفن الذي يتوهج في عصرنا لدى قليل من أدبائه ومفكريه العرب منهم وغير العرب؟
ثم ما الذي يجذب القارئ الخاص والعام إلى هذا الفن من الكتابة؟ هل أسلوبه الذي ينتمي لدى بعضهم إلى السهل الممتنع؟ أم توقع ما يكشف من أسرار كاتبه وما قد يفصح عنه من أفكاره وهمومه ونظراته إلى الحياة؟ ولا ننسى تأثير العرف الذي ساد بين عامة الناس وما يزال من أن الرسائل المتداولة بين الأبناء والآباء والأهل والأقارب لا تخرج عن النطاق الشخصي، ولا يصبح أو لا يجوز أن تكون مفتوحة علنية، وإذ حدث أن قادت الصدفة إلى نشر رسالة ما، فإن ذلك لا يكون موضع استمتاع واضح كما هو الحال في قراءة الرسائل المفتوحة، وإنما يكون ضرباً من الاقتحام على أسرار الآخر والتجسس على خصوصياته.
والفكرة السائدة عن فن الرسائل أنه فن سهل يسير التناول في حين أنه فن صعب، وهو في العصر الحديث يزداد صعوبة لتشابكه مع أسئلة الواقع ومشاهده المثيرة، وهو - أي فن الرسائل - وإن اختلف عن الشعر والقصة والرواية من حيث إنه لا يحتمل الكتابة الغامضة، إلا أن فيه شيئاً من كل هذه الفنون الأدبية، ولا سيما حين يتعرض لرسم صورة الواقع الراهن والحديث عن مصائر الناس ومعاشهم وأحلامهم ومشكلاتهم، وفيما قد يندفع إليه كاتب الرسائل من المقارنة بين واقعه، حيث يقيم وواقع الآخرين حيث يعيش المرسل إليه، وهو ما يزخر به هذا النوع من الكتابات، ومنها هذا الذي يتجلى في كتاب الشيخ عبدالعزيز التويجري (رسائل إلى ولدي) التي استهلها بمقدمة هي إلى الشعر أقرب منها إلى النثر المتعارف عليه في الرسائل وغير الرسائل: (يوم استجبت لنشر هذه الرسائل وأخذت قلمي لأخط هذه المقدمة، وقفت حائراً: أأنا بهذا الهذيان أو هذا اللون من التعبير أجرح كبرياء القلم وآخذه ضيفاً على عائلة ذهنية ليس لديها قرى أو كساء جميل تجمل به هذه العائلة ضيافة القلم لها وتعطيه قدره العظيم..؟) (ص15)
لن أتحدث عن تواضع الشيخ الوقور في وصفه لما أبدعه في كتابه هذا من تعبير يسمو ولا يهبط بكبرياء القلم. كما لن أبدأ في تقديم نموذج أو نماذج من هذه الرسائل التي تكشف عن تجليات هذا الفن الأدبي وتماهيه مع الشعر في أحدث امتداداته المعاصرة، وسأكتفي - بداية بإشارة غير وافية إلى أن السلطة - وقد كان الشيخ عبدالعزيز، عندما كتب رسائله إلى ولده واحداً من أعمدتها - لن تستطيع مهما اشتد سلطانها وتكاثرت مشاغلها أن تسلب المبدع الحقيقي موهبته أو تسحبه في إطارها أو تبعده عن شغفه الأصيل إلى المعرفة والاقتراب الحميم من عوالم الإبداع. يحدث هذا في عالم اليوم كما كان يحدث في عالم الأمس عندما كان المبدع ينتزع نفسه من مسؤولياته اليومية ويرجع إلى ذاته ليحررها من ضغوطها، وينتزع هذا الشيخ الذي تفتح وعيه على ثقافة أمته، القديم منها والحديث، الشعري والنثري، السياسي والفكري، وكان حريصاً على أن يتزود منها بنصيب وافر. يضاف إلى ذلك أن السلطة وقد كان أجمل ما يمتلئ به الوجدان من أشواق وحنين وأفكار يقترب من الراهنية المكانية والزمنية أو يتجاوزها، وهناك نماذج لمبدعين عرب وغير عرب تمكنوا بقدر من الوعي الخلاق أن يوازنوا بين ما هو للسلطة وما هو للإبداع ولم يقبلوا بحال أن يحرمهم المنصب الكبير من ضعف الكتابة والإبحار في عالمها الجميل.
الشيخ عبدالعزيز التويجري، واحد من هؤلاء الذين تتغلب مواهبهم وحبهم للأدب على إغراء السلطة وما تفيض به على أصحابها من شهرة ومجد تجعلهم في غير حاجة إلى البحث عن مجال آخر للشهرة والمجد، وبذلك استطاع هذا الشيخ المثقف الجاد أن يختزل أفكاره ورؤاه في كتاباته التي تعد إضافة حقيقية إلى ما قدمته الجزيرة العربية في القرن العشرين من طلائع كتابات أدبية وفكرية حين نجح في أن يقتطع من وقته المزدحم بالمسؤوليات وقتاً للقراءة وآخر للكتابة الفكرية الراقية. وفي مقدور القارئ العادي ناهيك عن القارئ المتابع والناقد المتخصص أن يدرك أهمية الآثار الأدبية والفكرية التي أنتجها هذا المسؤول المبدع رغم شواغله وهمومه ومسؤولياته الجمة. وفي مقدمتها كتابان على درجة من الأهمية هما: (في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء) وهو كتاب عاشق مفتون بأبي الطيب الذي استرجعناه في عصرنا الراهن بعد أن أدهشنا وهو يختزل أحزاننا ويعبر عنها بوضوح لا نكاد نجده في إبداع معاصرينا. أما الكتاب الآخر فهو (رسائل إلى ولدي.. حتى لا يصيبنا الدوار). وبما أن الكتاب الأول قد نال من الاهتمام في حدود ما قرأته بعض ما يستحقه، فإن الكتاب الأخير هو ما استثار اهتمامي ووجدتني مشدوداً إلى الحديث عنه في هذه التأملات.
الطرف الأول من عنوان الكتاب يذكر القارئ لأول وهلة بعنوان مماثل لكتاب صدر في أوائل الخمسينيات للكاتب والمفكر الموسوعي الأستاذ أحمد أمين وعنوانه: (إلى ولدي) وهو مجموعة رسائل كتبها صاحب (فجر الإسلام) إلى ولده الذي ذهب لطلب العلم في بريطانيا، وكتاب الأستاذ عبدالعزيز التويجري، وعنوانه - كما سبقت الإشارة - (رسائل إلى ولدي) كتبها إلى ولده الذي ذهب للدراسة في الولايات المتحدة الأمريكية. وفيما عدا هذا التشابه، فإن الكتابين يختلفان أسلوباً وموضوعات. رغم أن كلاً من الأبوين - أحمد أمين، وعبدالعزيز التويجري - يحرصان على أن يقدم كل منهما إلى ابنه خلاصة تجاربه، ويُبثه بعضاً من همومه ومشاهد لما يراه في واقعه المحلي من انكسارات وإحباطات. وهذه الصورة في كتاب الشيخ التويجري أوضح وأكثر تفصيلاً منها في كتاب أحمد أمين. كما أن أسلوب الكتاب الأخير - كتاب الشيخ التويجري - أكثر حداثة وتحرراً وشاعرية وتلقائية من أسلوب الكتاب القديم الذي كان يمثل أسلوب التأليف في النصف الأول من القرن العشرين، بما أحاط به من صرامة التعبير وجزالة الألفاظ.
وقبل الاقتراب من كتاب الشيخ التويجري المليء بالتوهج الداخلي والتلقائية المثيرة للإعجاب تجدر الإشارة إلى العنوان الفرعي للكتاب وهو: (حتى لا يصيبنا الدوار) لأنه يختزل المعنى الكبير لما توحي به رسائل الكتاب من قلق تجاه ما تتركه الحضارة الحديثة على الأجيال الجديدة من انبهار سطحي وشعور مذهل تجاه المفارقة الهائلة والناتجة عن المقارنة المتسرعة بين ما وصل إليه الآخر من تطور في التقنيات المدينة وما كنا ولا نزال نعاني منه في حياتنا من حيرة وتردد، وما نشهده من تغيرات طفيفة تلامس السطح ولا تنفذ إلى الأعماق، وفيما يسيء إلى تكويننا الروحي والنفسي والاجتماعي أكثر مما يساعد على وضعنا في دائرة التجدد والإبداع. ولعل أهم ما تقدمه رسائل الشيخ عبدالعزيز التويجري إلى قارئها أنها تجعله ينظر إلى نفسه مطولاً قبل أن ينظر إلى ما حوله ثم إلى ما هو بعيد عنه، وهي دعوة غير مباشرة إلى الصحوة والانتماء إلى إنسانيتنا ومبادئنا وإلى التمسك في وجه المتغيرات والاختراقات. وبالإضافة إلى ذلك لا تعدم هذه الرسائل أن تكون سيرة حياة فيها من خصوصيات الكاتب وعواطفه واعترافاته الكثير، إذ ما يكاد يمسك بالقلم لكتابة واحدة منها حتى يجد الورقة البيضاء تنفتح أمامه للبوح عن مكنونات نفسه في حدود ما يحتمله واقع الإنسان العربي المتمسك بالقيم والمتشبث بالعادات والتقاليد الحميدة. وفي هذه الرسائل سرد بديع يتضاءل معه سرد كاتب القصة القصيرة. وفيها شعر جميل يمكن لنا أن نلحقه بالكتابة الشعرية النثرية فيضيف إليها ولا يخدش شيئاً من جمالياتها، صحيح أنه شعر غير موزون ولا مقفى، ولكن هكذا صار غالب ما يكتبه الشعراء العرب والشبان منهم بخاصة خارجاً عن نظام الشعر الموزون المقفى. وهنا مقاطع من إحدى رسائل أو قصائد الكتاب وهي بعنوان: (تأمل ملامح الألم) وسأحتفظ بتشكلها كما ورد في الكتاب:
ولدي
في رسالتي هذه سأكسر جناح الخيال، وسأنتف ريشه ليبقى في تراب الأرض يذرع قيعانها، فالشعراء والحالمون ومن تاهوا بفكرهم في محاريب هذا الكون، أسراب أطيار هاجرت بها أحلامها فتنفست الصعداء ولم ترجع إلينا لنسألها عن الخبر..!!
حاولت أن أصعد أنفاسي وأن أحلم فأقعدتني ترابيتي مع التراب، فإذا جاءتك رسالتي في هذه المرة تشم في أنفاسها روائح الأهل والجيران والأقارب في النسب البعيد، فلن تراها في عفة العذري الناسك، فعفة رسائلي إليك قد استباحها العصاة عندي في هذه الرسالة ولم يبقَ لي مكان في واديهم الكبير خال للاستراحة.
فإذا جاءتك غبراء الوجه، لم تنظف، فلأن روائح الطريق العام علقت بها وخطتها أنفاسي إليك في أصوات غيلان الوادي..!!
لا تفزع ولا ترعك ملامح الصورة البذيئة، فتكرع الألم والتشاؤم! هذه حظوظنا نحن العرب وهذه أقدارنا أبقتنا أحجاراً مع الأحجار وخلفتنا عقبات في طريق المارة، لأننا أردنا ذلك، ونكست رؤوسنا هذه الاستكانة في أكياسنا الترابية. فالسماء فيها النجوم وفيها الكواكب المضيئة، هي في ظني معلقة بها أحلام الشعراء والمفكرين والمشرئبة أشواقها إليها...
ولدي:
ترفق بي..! فقد قست على الحياة، وأدمت قلبي في جورها علي، ففي الولدان من يبر أباه. ومن يبره ولده بعصا يتكئ عليها يمكن له أن يقف ثم يخطو في سعة الأمل..
تأمل في كدحي إليك ملامح الألم في وجهي، فقد ضايقتني الأحجار، فلا تكن حجراً من أحجار الطريق أتعثر فيك.. فعثرة الابن في عين أبيه كسر لا تجبره السنون وإن طالت.. مطلبي فيك كبير وكبير جداً، فعريي الروحي والفكري والسلوكي لا يكسوه إلا ابن بار بوعيه وبنظافة جسده وروحه) ص239.
لا أريد للقارئ أن يظن بأنني تخيرت الاجتزاء من نص هذه الرسالة لقربها مما أهدف إليه، وإنما جاء الاختيار عشوائياً، فالرسائل كلها تقريباً تنضح بالشاعرية وتكشف مباشرة عن شاعر كبير يتخفى وراء هذا الكاتب المشبع بحب الصحراء والمتمثل لأصوات شعرائها وأحلامهم وخيباتهم، وهو لا يكف عن الاعتراف بأنه من جيل عاش العزلة في الصحراء أجيالاً طويلة، لكنه لا يرفض الجديد المفيد ولا يكره العلوم التي تحررنا من الضعف وتثبت لنا أن (الحياة لم تكن واحدة من المعلقات السبع يفاخر بعضها بعضاً، وتقص علينا قصص البداوة، الحياة اليوم - كما ترى - منا ترى غضبت على تخريفات الماضي وسكونه وروّعته في بلادته وخموله، وقفزت في نشاط العقاب الكاسر على صخور هذا الكون ومجاهله). (ص412).
لقد أثبتت هذه النصوص الرسائل أن صاحبها وهو الشيخ عبدالعزيز التويجري، واحد من المثقفين العرب الذين يؤرقهم واقع الأمة، وأن كتاب (رسائل إلى ولدي.. حتى لا يصيبنا الدوار) لم يكن مجرد رسائل شخصية من أب إلى ولده، بل كان خلاصة تفكير عميق مع النفس في تمردها وقلقها، وصدى لحوار ساخن مع العصر وتداعياته تلك التي وضعت الإنسان - والعربي بخاصة - بين ضفتي نهر اليأس والأمل
---------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/9.jpg

رمز الثقافة الوطنية
حجاب بن يحيى الحازمي

يرتعد القلم إجلالاً حين يهم بالكتابة عن علم كبير من أعلام الفكر والثقافة في بلادنا مثل معالي الشيخ الأديب المفكر الإنسان عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري ليس فقط لأنه من القامات الثقافية العالية الرفيعة في وطننا.. وليس فقط لأنه من القامات الوطنية الراقية في تعاملها الراقية في وطنيتها الراقية في نبلها ووفائها وصادق انتمائها.
ولكن لهذا وغيره من معالي الأمور التي تنتمي إلى عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري.. ولأنه واحدٌ من خيار من أنجبتهم هذه الصحراء الصافية فأنضجت فيه الصفاء والنقاء والصدق والوفاء وعظيم الانتماء.. أنجبته شهماً يعطي وطنه بسخاء ووفاء ويتعامل مع الناس بتواضع الكبار الذين أخذوا من بيئتهم النقية أجمل ما فيها وأعطوها بسخاء الأوفياء ونبل العظماء أعظم العطاء.
- عبدالعزيز التويجري المسؤول يحظى بثقة ولاة الأمر فليسخرها لخدمة وطنه وأبناء وطنه.. وضيوف وطنه بعفة وإخلاص وتفانٍ.
- عبدالعزيز التويجري الإنسان يبهرك بتواضعه ومكارم أخلاقه.. وراقي تلطفه ينصت لك بتواضع الكبار إن أنت تحدثت: (كأنك تعطيه الذي أنت سائله).. فإذا تحدث إليك وإلى محبيه جاء حديثه معطراً بأريج الصحراء وعبق التأريخ. فيمتعك بسيم العظماء.. ويخلب لبك أسلوبه الأدبي الرفيع.. وذاكرته المفعمة بأنباء المجد والماجدين حتى ليصدق فيه قول الشاعر الذي كأنما يعنيه بقوله:
فليس يؤثر بالنُّعمى مودته
وليس يجزي مسيئاً بالذي فعلا
لكنه يؤثر الدنيا بما رحبت
ببره ويداوي أهلها العللا
- يضمك مجلسه العامر فلتفيه عظيماً في تواضعه.. في كرمه.. في أدبه الجم في تعامله الراقي فتتذكر بعض ما وصفه به عارفو فضله ونبله ومنهم:
- الشاعر السعودي الكبير: أحمد إبراهيم الغزَّاوي حين خاطبه قائلاً:
ولقد نعمتَ لو اكتفيتَ بثروة
لكن نبلكَ كان فيكَ هو الجدا
ما قيمة الدنيا لديك زخارف
فعدوتها، وتخذتها متعبدا(1)
- والعلاَّمة الأديب اليمني الكبير: أحمد محمد نعمان الذي كتب إليه شاكراً بعض أياديه التي تمتد إلى من يعرف ومن لا يعرف.. فجاء في بعض رسالته:
( لا أستغرب ما لقيته وألقاه منك، فأنت إنما تعبر بتلك المشاعر والعواطف عن أخلاق ابن الصحراء، وعن البلد الذي تنتسب إليه، والدولة التي ترتبط بها والقيادة الرشيدة التي تنتمي إليها وتتجند معها...)(2).
ومع كل هذا وغيره فإن معالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري على الرغم من علمه الواسع وثقافته الشاملة.. وخبراته الكبيرة يُعَدُّ من عظماء الرجال الذين ينكرون ذواتهم تواضعاً فهو كما يقول معالي الدكتور غازي القصيبي: (غريب أمر أبي عبدالمحسن.. ولكل منا أمرٌ غريب - إنه يُصرُّ على أنه بدويٌّ ساذج قادم من الصحراء، إذا سأله سائل عن الأدب قال: لستُ أديباً، وإذا سأله سائل عن التأريخ قال: لست مؤرخاً، وإذا سأله سائل عن السياسة قال: لست سياسياً، وإذا سأله سائل عن تجاربه في الحياة قال: لا توجد لديَّ تجربة تذكر)(3). وإنه لكذلك يا أبا يارا مُنكرٌ لذاته، بتواضع الكبار الذين يرفعهم تواضعهم فوق هامات المجد لكنه على الرغم من إصراره على إنكار ذاته ليصدق عليه قول الشاعر:
ملأتم بساط الأرض خيراً وما بقي
فأخباركم فيه تَسِيرُ وتنقل
لكل هذا وغيره من بعض ما أعرفه عن معالي الشيخ التويجري لم اندهش من تلك العبارات الجميلة التي أطلقها أحد المفكرين العرب في إحدى القنوات الفضائية عن علمنا التويجري حين سئل عن معاليه فقال: (معالي الشيخ عبدالعزيز التويجري على عُلوِّ مكانته يعتبر الجسر الثقافي الكبير الذي يربط الثقافة السعودية بالثقافة العربية والعالمية.. إنه رمز التواصل الثقافي بين المثقف العربي والمثقف السعودي).
لم اندهش حين سمعت هذا الثناء على هذا الرمز الثقافي الكبير؛ لما أعرفه عن بعض جهوده الثقافية الكبيرة ليس فقط من خلال نشاطات المهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية) الذي يحظى باهتمام كبير من معاليه ومن كافة مسؤولي الحرس الوطني وعلى رأسهم قائد مسيرتنا خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله-.
ولكن من خلال صلاته وتواصله بفئات كبيرة من المثقفين داخل الوطن وخارجه ولقد رأيْتُ في مجلسه العامر نخباً من ضيوف مهرجان الجنادرية يمثلون ألوان الطيف الثقافي العربي والعالمي فكأنما أريد لهذا المهرجان (بتوجيه من قيادتنا الواعية) كأنما أريد منه أن يساهم في تقريب الكلمة ولم الشمل وتوحيد الصف.. لذلك فقد شاهدت في مجلس معاليه وفي قاعات محاضرات المهرجان الوطني نخباً من ضيوف المهرجان الذين يمثلون ألوان الطيف الثقافي يجلسون جنباً إلى جنب فيتصافحون ويتحاورون، رأيت الشيخ القرضاوي والشيخ الغزالي والشيخ الراوي وآخرين.. رأيتهم يجلسون إلى جانب أنيس منصور وفتحي الخولي وعلي عقلة عرسان وآخرين.
ورأيت هؤلاء وأولئك حين يكونون في ضيافة معالي الشيخ التويجري الذي كان ولا يزال له يوم مخصوص من أيام المهرجان يكرِّم فيه ضيوف المهرجان ويحتفي بهم - تنفيذاً لتوجيهات القيادة الحكيمة- التي تُقدّر لمعاليه تفانيه وإخلاصه..
نعم رأيتهم حين تكون تلك الأطياف في ضيافة معاليه فيغمر الجميع بحفاوته البالغة ويغدق على الجميع من أحاديثه الأدبية الراقية.. ويلقي على الحضور دروساً في فنون التعامل الراقي المطرز بالتواضع والأريحية والنبل..
رأيت ذلك ورأيت كيف يدير معاليه الحوار الواعي بين تلك الأطياف التي تمثل تيارات مختلفة.. واتجاهات متباينة.. ومشارب متعددة.. فيحقق بحنكته أهداف اللقاء دون تصادم.. ويحتسي الجميع صفاء التسامح في لقاءات المحبة والصفاء والكلمة الطيبة.
- تحية حب وإكبار لمعالي الشيخ عبدالعزيز التويجري الذي قد لا يعرفني بالاسم ربما لقصور مني في مدّ جسور التواصل مع علم كبير كالتويجري مع أنني قد شرفت بحضور أكثر مناسبات مهرجاننا الوطني للتراث والثقافة منذ العام 1408هـ وأغلب الدعوات القديمة كانت تصلني بتوقيع معاليه، كما كان لي شرف المشاركة في إدارة إحدى ندوات المهرجان وشاركت في لجان المشورة كتابياً أكثر من مرة.. وخلال مشاركاتي في المهرجان سعدت بلقاء معاليه والاستماع إلى أحاديثه الشيقة في أكثر من مناسبة لذلك فإنني سأسمح لنفسي أن أعلن مودتي وتقديري معاليه من طرفٍ واحد أخفى مودته كل تلك السنين.
نعم إنني أحبُّ معاليه واحترمه لأنه علاوة على مهامه الجسام التي يؤديها خدمةً لوطنه لا يتردد في إعلان حبه لوطنه ولقادة وطنه ولوحدة وطنه.. ها هو يعلنها: (ليهن كل شيء عندي في سبيل من أحب.. أحبُّ بلادي ووحدتها وكلمتها الواحدة.. أحبُّ من وحّدها.. أحبُّ الملك عبدالعزيز (5) ونحن كذلك نحب عبدالعزيز الذي وحّد لناهذا الكيان الكبير.. وكل مواطن في المملكة العربية السعودية يحب بلاده ويحب وحدتها ويحب من حقق وحدتها ويدعو له.. ويحب وطنه وقيادته الراشدة.
مرة أخرى تحية لمعالي الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري ودعوات صادقة لمعاليه بمزيد الصحة ودوام التوفيق.


* عضو مجلس منطقة جازان

الحوشية
11-12-2006, 02:43
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/10.jpg

رجل التاريخ الذي لن ينسى
محمد الوعيل*

رغم أن المسافة بيني وبين اللقاء الذي تم مع الوالد المربي معالي الشيخ الأديب عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري طويلة جداً، إلا أن كمّاً هائلاً من المعلومات والمواقف لا زلت أحتفظ بها لهذا الرجل العملاقي في أخلاقه وتواضعه وفكره وثوابته.. أتذكر جيداً كيف كان الرجل يعيش يومه بين العمل والقراءة ومعايشة الناس في منزله المفتوح دائماً ليس لكبار القوم، كما يقولون، ولكنه لكل الناس.. أتذكر جيداً كيف كان يغرس في أبنائه حب الوطن واحترام الآخرين والقراءة.. كيف كان يحدثهم عن حياة رجال التحدي من أبناء الوطن القدامى، الذين عاشوا حراك التوحيد مع المؤسس الملك عبدالعزيز يحدثهم عن تجربته الخاصة، وكيف تخرج من مدرسة الحياة.. يعلمهم كيف استطاع (الوطن) الملك عبدالله بن عبدالعزيز أن يخلق من الحرس الوطني منذ مراحل التأسيس مؤسسة ثقافية امتزجت فيها العسكرية بالثقافة والأصالة.. هذا المدخل لعله قراءة موجزة عن ذلك الحوار الطويل الذي دار بيني وبين معالي الشيخ أبي عبدالمحسن في باب (ضيف الجزيرة) الذي نشر في أكثر من حلقة في حينه. كما تشرفت بوضعه في كتاب (شهود هذا العصر) المطروح في المكتبات حالياً.. وفي نفس الإطار الصحفي يقودني الحديث عن هذا الرجل عندما سهل مهمتي للحصول على (خبطة) صحفية لن أنساها في مشواري الصحفي؛ إذ مكنني من الحصول على حديث مع الملك فيصل - رحمة الله عليه - تحدث فيه (الفيصل) عن إنشاء المدن العسكرية في المملكة.. وبالفعل كان خبراً استطاعت فيه (الرياض) أن تقدم سبقاً صحفياً في هذا الشأن تناقلته وكالات الأنباء في حينه. كما قُلْتُ، أمور كثيرة اعتز بها لا زالت محفورة في الذاكرة عن هذا الرجل الشامل في ثقافته وعطائه وحبه لهذه الأرض وقادتها.
وتعظيم سلام...

-----------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/11.jpg

الوالد الشيخ
فيصل بن عبد الرحمن بن معمر *

الحديث عن رموز هذا الوطن تعتريه شهادة قد تكون مجروحة، وبالرغم من ذلك سأمضي في رسالتي التي أود إيصالها من خلال هذا المنبر الكريم بالحديث عن هامة ثقافية وفكرية وسياسية سعودية، استطاع أن يبرز منهجه ويرسخ لثقافته ومعارفه التي تشرّبها خلال رحلته الطويلة في خدمة هذه البلاد المعطاءة.
إنه معالي الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، أحد الخبرات الوطنية والمدارس الفكرية والإدارية التي تتلمذت على يديه سواء في رحاب مدرسة الحرس الوطني الكبرى برئاسة سيدي خادم الحرمين الشريفين - حفظه الله - أم في رحاب مكتبة الملك عبد العزيز العامة اللتين تشرفت بالانتساب لهما..
عرفته.. رجل مروءة وإخلاص ومحبة.. عطوفاً كما يجب للعطف أن يكون ودوداً كما يجب للود أن يكون..، باشاً وصادق السريرة كما يجب للصدق أن يكون تكمن شخصيته في عطفه وطيبته وصدق سريرته..
وعندما أتحدث عن شخصية بحجم معالي الوالد الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري وهو يلتحف السرير الأبيض - شفاه الله وعافاه -، فإنني حتما سأتحدث عن عبد العزيز التويجري (الإنسان) الذي عندما تعمل معه أو تناقشه أو تحاوره أو حتى تنصت لنصيحته أو عتابه أو توجيهه، فإنك لا محالة ستخرج هانئ النفس، باش السريرة، ما يجعلك تتساءل: ما سر هذه القدرة العجيبة التي دفعتك باتجاه ذلك؟ ولكن سرعان ما تتذكر أنه أحد رموز جيل المؤسسين، الذي نشأ وترعرع في مدرسة الملك عبد العزيز - طيّب الله ثراه -، ثم مدرسة سيدي خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - حيث عاصر معاليه نهضة وتطور الحرس الوطني بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - وشارك في تنفيذ الخطط والبرامج والسياسات، لتطوير الحرس الوطني وتحديث تنظيماته في كافة مجالاته العسكرية والإدارية والصحية والتعليمية والثقافية، كما عاصر معاليه بدايات انطلاق المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي ينظمه الحرس الوطني سنويا على مدار نحو ربع قرن وحرص على الإشراف على برامجه ومنتدياته الثقافية.. والندوات التي يتواجد فيها ويطرح فيها تجاربه ورؤيته، وكذلك مكتبة الملك عبد العزيز العامة.
رسم معالي الوالد الشيخ عبد العزيز التويجري لنا ملامح هذه المدرسة في الكثير من الممارسات والأعمال التي يقوم بها بين وقت وآخر، باستناده على رصيد ضخم من الخبرات والمعارف التي اكتسبها من ملازمته لخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - في الحرس الوطني، والإرث الكبير الذي اكتنزه خلال حياته التي تجاوزت عقدها التاسع، أمدّ الله في عمره، فضلا عن مساهمته الأدبية والثقافية بما ينشره من مفاهيم وقيم، رغم أنه لم يختلف إلى مناضد المدارس والمعاهد والجامعات.
ولكن بعزيمته وإصراره وبما حباه الله تعالى من فطنة وذكاء كبيرين استطاع أن يصنع (نفسه) بنفسه ويؤهلها حتى صنع لنفسه فكرا وتوجها أو ما اصطلح على تسميته ب(الشخصية) التي ميزته عن الآخرين.. حدث ذلك في وقت عزّ فيه وجود مدارس، وندرت فيه المكتبات وافتقدت مقومات المدنية الحديثة فضلا عن شظف العيش وبعد الرفاهية..
القاصي والداني يعرف عن الوالد الشيخ عبد العزيز التويجري (الإنسان)، وامتداد تواصله مع القبائل المتواجدة في المدن والبوادي والهجر وكان دوماً ومازال سباقا للعمل الإنساني والتطوعي.. يستثمر علاقته في تحقيق المساعدة لأبنائها وقد رسخ الشيم العربية الأصيلة في هذا التعامل، ولعل ذلك ما يدهش البعض عندما ربط جميع مؤلفاته ببيئته وإعطاءها زخما خاصا وبعدا وطنيا أسهم بلا شك في ترسيخه لتكون أحد معالم جوانب هذه المدرسة الوطنية الأصيلة. وظلّ الشيخ الوالد عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري ومازال منذ أكثر من أربعين عاماً مؤمناً بهذا الوطن، مسكونا بقضاياه المُلحمة، مشغولاً بأبنائه، حريصا كل الحرص على أعطاء الصورة الإيجابية المعبرة بصدق عن واقع مجتمعنا لكل زائري المملكة وضيوفها الذين يحرصون على زيارته والاستئناس بآرائه، فيجدون عنده الإجابة عن أسئلتهم واستفساراتهم.
ومن خلال صحبتي لمعالي الأستاذ الوالد على مدار أكثر من عشرين عاماً - كما عرفته عن قرب ويقين رأيته وهو من هو (الأديب)، و(المثقف) راغبا في البعد عن (صخب) الإعلام.. (زاهداً) في عالم الأضواء والشهرة (سعيداً) بالبعد عن المكانة البارزة التي يجب أن يتبوأها ويسكنها.. ظل وفيا لأبنائه وتلاميذه، يلقي عليهم دروسه الحكيمة والرزينة.. بذاكرة قوية وذكاء حاد..، لدعم تماسكهم الروحي والفكري والنفسي بصدق حديثه وصوت متميز في غاية الألفة، ليس بالنسبة لقطاع الحرس الوطني أو مكتبة الملك عبد العزيز العامة ذلك المشروع الخيري الذي أسسه ويرعاه خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - بل وبالنسبة لمعظم القيادات الإدارية الوطنية أيضاً.
يحرص الوالد الأستاذ دوماً فيما يطرح من آراء وأفكار على أن يحث أجيالنا الجديدة على القيام بحمل الأمانة التي حملها الآباء والأمهات، محدداً هذه الأمانة في (الوطن) كمفهوم وقيمة، فالوطن ظل ومازال يحتل مكان الصدارة في دروسه التربوية والأخلاقية.
ولذلك لم يكن غريباً أن يتجاوز دوره محليا إلى الدور الإقليمي العربي والإسلامي، عندما يضطلع بدوره الحضاري انطلاقا من مكانته ومن خلال الإرث الكبير الذي اكتنزه خلال حياته المديدة بإذن الله وتشرّبها من القادة العظام لهذه البلاد المعطاءة.
وعلى مدى الأعوام أثبت الوالد الأستاذ أنه ضمير للوطن ووفاء وإخلاص لتطلعات قيادتنا الحكيمة الوحدوية والنهضوية، وكانت كلماته وما زالت معبّرة على الدوام على أنه امتداد لأولئك الرواد من جيل المؤسسين وتتمة لجهدهم كحملة مشاعل وحدتنا الوطنية.
وهذا دعائي للوالد والمعلم، صاحب القلب الواسع والروح السمحة، والحريص على أداء الواجب مع رفعة في الخلق وسمو في الشمائل، وهو يلتحف السرير الأبيض أن يمن الباري تعالى عليه بالشفاء العاجل وأن يسبغ عليه أثواب الصحة والعافية، ليواصل عطاءه ويستمر في خدمة دينه وخدمة هذه المملكة العزيزة في ظل عهد خادم الحرمين الشريفين وسمو ولي عهده الأمين حفظهما الله.. إنه سميع مجيب.


* المستشار بالديوان الملكي
المشرف العام على مكتبة الملك عبد العزيز العامة

-----------------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/12.jpg

حواريّة التّويجري مع أبي العلاء
د. عبد الملك مرتاض

وجهٌ مشرقٌ من وجوه الثقافة العربيّة السعوديّة المشرقة، وملمَح ناضرٌ من ملامح الفكر العربيّ السعوديّ النّاضر، وشخصيّة اجتماعيّة وسياسيّة من الشخصيّات العربيّة الْمُؤْتَلِقة.. ذلكمْ هو الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، فهو سخيّ كريم إن عَدَدْت الكرماءَ الأسخياء، وهو نبيل نبيه إن عددتَ النُّبلاء النُّبهاء. ليس عبد العزيز التويجريّ رجلَ فكْر وأدب وحسب، ولكنّه رجل يجمع بين خِلالٍ شريفة كثيرة؛ ذلك أنّك إذا عددتَ الأسخياءَ ألفيتَه أحدَ أسخيائهم، وإنّك إن عددتَ النّبهاءَ وجدته أحدَ نُبَهائهم، وإن أنت عددتَ الشِّهامَ لم تعدَم له مكانة بين شِهامهم، وإن أنت الْتمستَه في طبقة القادة المحنّكين ألفيتَه رجلَ قِيَادة وسياسة بامتياز. وقلَّ من النّاس من يستطيع أن يجمع بين الثراء والمال، والفكر والسياسة، والعلم واللباقة، وعبد العزيز التويجريّ أحد أعضائهم.
غير أنّ الشيخ التويجري، بالقياس إليّ وقد طُلب إليّ أن أدبّج كلمة قصيرة عن هذه الشخصيّة السعوديّة الفذّة، ليس رجل دولة وثقافة وعلم فقط، ولكنّي أكلت ملحه، وتحرَّمتُ بطعامه، وتشرّفت بازْدِيَارِ بيته.. وقد امتلأتُ إعجاباً بهذه الشخصيّة، واستوْقَرَ قلبي حباً لها، وتقديراً إيّاها. وكلّ ما أودّ أن لا يطغى حبي على عواطفي فأُحرم من التوفيق الذي أحرص عليه في تدبيج هذه الكلمة القصيرة عن الشيخ الجليل المجيد.
إنّ الشيخ التويجري ليس غريباً على الثقافة ولا الثقافة غريبة عليه، فكلّ مَن شهِد الجنادريّة من المثقفين والمفكّرين والأدباء العرب -وما أكثرَ منهم مَن شاهَدوها- يُقرّون له بذلك، فهو يفتح لهم داره، وهو يحاورهم واحداً واحداً في منزله باهتمام مدهش. غير أنّ مِن مُحبّي الثقافة مَن لا يكون مثقّفاً أصلاً، فهو يرعى المثقفين لأنّه يُعجَب بهم، ويرى في فعلهم الخيرَ والمحبّة والنماء في الحياة، ومنهم مَن يكون مثقّفاً ويرعى المثقفين ولا يكتب؛ لأنّ مهامّه السياسيّة أو القياديّة لا تتيح له من الوقت ما يسمح له بأن يخلوَ إلى نفسه، ويَتنسَّكَ في مكتبته، من أجل أن يكتب شيئاً يعبّر به عن فلسفته في الحياة، ونظرته إلى الكون، وطريقة فهمه لواقع الأشياء، في حين أنّ منهم مَن يكون مثقّفاً مفكّراً، وتسمح له مهامُّه، في الوقت نفسه، أو قلْ يقسو على نفسه لانتزاع ساعات الراحة منها للنّهوض بعمل ثقافيّ متميّز خارج إطار المهمّة الرسميّة الثقيلة التي يضطلع بها في الدولة، فتراه يجرّب في الكتابة، ويُدْلِي بدَلْوه في قضاياها، والشيخ عبد العزيز التويجريّ أحدُ هؤلاء بائْتِلاقٍ. والآية على ذلك أنّه ألّف حتى الآن أربعةَ عشرَ كتاباً في مجالات المعرفة والفكر والأدب والتاريخ. وإذا كان من العسير التوقّفُ لدى كلّ ما كتبه لإلقاء نظرة عجْلى عليه، بَلْهَ مدارستَه وتحليله، فلا أقلَّ مِن أن نتوقّف عند أحدِ هذه الكتب القيّمة؛ لأنّها تتناول شخصيّة فكريّة مشهورة في التاريخ مرموقة في مجال الأدب والفكر، وهي شخصيّة أبي العلاء المعرّي، فنحاول رصْدَ بعض الأفكار والآراء التي طارح بها التويجري أبا العلاء.
قد يكون الشيخ عبد العزيز التويجريّ، بذلك، أحَدَ أسبقِ المثقّفين السعوديين المعاصرين إلى اتّخاذ التأمّل والحوار وسيلةً فكريّة للبحث عن الحقيقة، والسّعي إلى إدراكها، والتطلّع إلى ملامستها. غير أنّ المرء كثيراً ما يسعى إلى بلوغ شيء فلا يبلغه، ويتطلّع إلى تحقيق غاية فلا يحقّقها، وذلك إذا لم يحسنِ الْتماسَ طريقه، ولم يُوفَّقْ إلى اتّباع الإجراء الذي يُفْضي به إلى إدراك القصد، وبلوغ الشّأْو. لكن الشيخ عبد العزيز التويجري كان، في رأينا، بِدعاً من ذلك، وقد كان أذكى من أن يقع في ذلك. فأبو العلاء المعرّي كُتبت عنه مئات الدراسات، وأُلّفت في فكره وأدبه وفلسفته عشرات الكتب في العالمين العربيّ والغربيّ معاً. فقد كتب النّاس عن أدبه، كما كتبوا عن تمرّده الفكريّ، كما كتبوا كثيراً عن تشاؤمه الذي قد يكون مردّه إلى عاهته التي لم يتقبّلْها، على عكس الأديب العربيّ المعاصر طه حسين الذي ظلّ يعيش حياته بصورة طبيعيّة فلم يشعُر قرّاؤه يوماً أنّه كاتب ضرير، ولا أنّه يائسٌ من الحياة الجميلة، ولا أنّه زاهدٌ فيها عازف عنها، فظلّ في سلوكه الفكريّ كاتباً طبيعياً لا يتشاءم ولا يتلهّف، ولا يحزن على ما أصابه ولا يأسى، بل ربما كان يعتزّ بعاهته اعتزازاً.
أبو العلاء المعرّي عمَد إلى تحريم ما أحلّ اللّه له فرفضه، وهو أكْل اللّحم الذي هو من طيّبات العيش، وعمَد إلى تحريم احتساء المرَق لمجرّد أنّه يوماً احتسى حَساءً فلاحظ أحدُ طلاّبه لُطاخَةً في ثوبه من أثر المرَق الْمُحْتَسَى، بل حرّم على نفسه الزواجَ وبه قِوام الحياة واستمرارها، وبه تسكن النّفسُ إلى أختها فتسعدان بدفْءِ العِشرة، وصدْق المودّة.
إنّ كلّ ما كُتب عن أبي العلاء المعرّي من قبلُ ربما لم يكن كافياً لتحليل هذه الشخصيّة الفكريّة الكبيرة، المتناهية التعقيد، المتعدّدة الإشكال، الغامضة السّلوك، النّاقمة من الحياة، الثائرة على نظام الكون!.
وقد كان مضى على النّاس زمن يقترب مداه من سبعين عاماً منذ أن كان طه حسين قدّم إلى الجامعة المصريّة بحثاً جليلاً عن شخصيّة أبي العلاء، إضافة إلى كتاب أدبيّ جميل كتبه عنه من بعد، وهو (مع أبي العلاء)، حاول أن يعايش الشيخُ الشيخَ، ويفهمَ الضريرُ الضريرَ، ولعلّه أن يكون من أجمل ما كُتب عن أبي العلاء. مضى، إذن، على الناس حينٌ من الدّهر لم يكادوا يسمعون شيئاً كُتب عن هذه الشخصيّة البارزة في الفكر العربيّ الإسلاميّ، ولا أنّهم قرؤوا جديداً عنها؛ حتّى خرج عليهم عبد العزيز التويجريّ بكتاب جميل جليل، جديد في إجراءاته، ذكيّ في معالجاته، وهو: (أبا العلاء.. ضجِر الرّكْبُ من عناء الطريق)!.
وإنّ الذي يتأمّل هذا الكتاب، انطلاقاً من عنوانه نفسِه، يقتنع بأنّ التويجري يريد، فعلاً، أن يتناول أبا العلاء تناوُلا جديداً وصحيحاً؛ فهو يدعو أبا العلاء المعرّي فيجيء به من الزمان القديم إلى الزمان المعاصر، ومن المكان البعيد إلى المكان القريب، فيستضيفه في مكتبته على طريقة الكرَم السعوديّ، وعلى طريقة الشيخ التويجري في استقبال ضيوفه بما ألِف أنْ يستقبلهم به من سخاء وعطاء، وترحيب واحتفاء، ثمّ يخاطبه عوض أن يتحدّث عنه من بعيد.. ثمّ يصطنع النّداء في خطابه، ثمّ يستغني عن أدوات النّداء، ما كان للقريب منها والبعيد، ليُشعر القارئَ بوجود أبي العلاء في بيته، ومُثُوله في مجلسه، فيقول: (أبا العلاء!)، كما يخاطب أيُّ شخص جليسَه بمثل هذه الطريقة فيستغني عن أدوات النّداء التقليديّة ليُزيل كلّ كُلْفة، وليحسّس مخاطَبَه بدفء القُرب، وحنان المجالسة.
غير أنّ هذا النداء لا يعني إلاّ أنّ الكاتب دعا أبا العلاء إلى بيته، وأنّه أفلح فعلاً، وعلى تعقيدات شيخ المعرّة وتأبّيه الاختلافَ إلى بيوت النّاس وتجانُفِه عن ذلك، في أن يُقنعه بالمجيء إلى بيته، والجلوس في مجلسه، والاستماع إلى حواره.. ذلك أنّ العبارة المكمّلة للعنوان هي التي تعكس مضمون الكتاب، وتدلّ على واقع مدلوله الفكريّ والأدبيّ معاً. وهذه العبارة على تلاحمها تتركّب من مكوّنين اثنين: المكوّن الأوّل هو قوله: (ضَجِرَ الرَّكْبُ!)، وهي في شِقّها الأوّل (ضجِر) فكريّة ذات صلة حميمة بأبي العلاء؛ لأنّها من دأْبِ سيرة الشيخ، ولأنّها مَقِيسَة على مضمون معجمه اللغويّ، كما يمثُل ذلك في قوله:
غيرُ مُجْدٍ في ملّتي واعتقادِي
نَوْحُ باكٍ ولا ترَنُّمُ شادِي!
وكما يمثُل أيضاً في بعض قوله وهو يخاطب نفسَه، ويقسو عليها، ويغالي في القسوة حتّى يَبْخَعَها ويُذِلَّها، في إحدى قصائد (سَقْط الزَّنْد):
وقلتِ: الشمسُ بالبَيْداءِ تِبْرٌ
ومِثْلُكِ مَن تَخَيَّلَ ثمّ خَالاَ!
فالضّجَر بالحياة، والضّيقُ ذَرْعاً بالنّاس أيضاً هو من المعجم المعنويّ لشيخ المعرّة، وإلاّ فما كان يمنع الشيخَ من أن يستمتع بلذّات الحياة في حدود ما هو متاح مباح، فيتزوّجَ ويُنجب أطفالاً يتدفّأ هو ببِرّهم كما يتدفّؤون هم بحنانه؟! وإلاّ فما كان منعه من أن يأكل اللّحم المذكورَ اسمُ اللّه عليه، ويحتسيَ المرَق كما يحتسيه جميع البشر على الأرض، لوْمَا أنّه كان برِماً بالحياة، ضجِراً من خيرِها، بل كان يَعُدّ الخير والشّرّ واحداً، والسرور والحزن وجهيْنِ لحقيقةٍ واحدةٍ في سيرة الحياة، فسواءٌ عليه نوْحُ الباكين وترنُّمُ الشّادِين؟! وإذن، فاصطناع لفظ الضجَر في عنوان كتاب التويجريّ عن أبي العلاء هو لفظٌ مسخَّرٌ لما يليق بالفكر الْبِيعَلائيِّ، متلائم مع مبادئه ومراميه. في حين أنّ الشِّقَّ الآخِرَ من المكوّن الأوّل من عبارة العنوان، وهو لفظ (الرَّكْب) يضطرب في مَهامِهِ الأدب الرّفيع، ويتَرَهْيَأُ في مَعامِي البيدِ ومجاهلها؛ فقد أولعتِ الشّعراءُ العرب بلفظ (الرّكْب) حتّى تكالبتْ على استعماله في أشعارها، وكلِفَتْ باصطناعه في كلامها. وما كان يعني ذلك شيئاً غيرَ أنّ التويجري راعى أنّ أبا العلاء من أكبر أدباء العربيّة، فهو إذا كتب أبهر، وإذا شعر أدهش. فأشعار (سَقْط الزَّنْد) تجعل منه أحد أكبر شعراء العربيّة، و(رسالة الغفران) تجعل منه أوّل أديب عربيّ حاول أن يكتب رواية فلسفيّة تتّخذ لها من مواقف القيامة موضوعاً لها، أو قلْ من تخيُّلِهِ أطوار الشعراء العرب في الآخرة وما يكابدونه من عذاب يتخيّله أبو العلاء لهم تخيُّلاً! فكِلا اللّفظين، إذن، في عبارة الشّق الأوّل من عنوان الكتاب لائقٌ بسيرة أبي العلاء وفكره.
وأمّا المكوِّنُ الآخِرُ لعنوان كتاب التويجري عن أبي العلاء فهو قوله: (من عناء الطريق). وليس على الأرض أشكَى من التَّعنيَة التي تُثْقل الحياةُ بها كاهل النّاس كأبي العلاء! فقد ألفيناه في مقدّمة ديوانه (سقط الزند) يغالي في التشاؤم واليأس إلى حدّ أنّه يستطيل عمره، ويستبطئ أجلَه؛ ولم نرَ أحداً من النّاس جاء ذلك، ولا بودلير في ديوانه العجيب: (أزهار الألم)! لقد بلغ البرَمُ بالحياة والضجرُ منها لدى أبي العلاء المعرّيّ مبلَغَهما، فتشاءم وغالى في التشاؤم إلى أن قال: (ولزمتُ مسكَنِي منذ سنة أربعمائة، مُعْمِلاً أنّي لا أُرسل فيما يتّصل بكلام العرب بنتَ شفَة، وبُلِيتُ بنُوبٍ ليستْ بالمنكشفة! ومُدَّ العمرُ فكأنّما سِنُوهُ السَّمُرُ، ويُعْدَم عندهُ الثُّمُرُ!) (مقدمة سقط الزند، ص 5، تحقيق مجموعة من كبار المحققين، وإشراف طه حسين، 1383هـ- 1964م).
لقد استخدم الشيخ عبد العزيز التويجريّ أسلوب الحوار لبلوغ كُنْه الحقيقة الغائبة في مُلْتَوِثاتِ الشّكّ، والمتخفيَة في معامي العدَم والعجز، فيستخرجها من كلّ تلك الأدران لتنصقل في النفوس، وتتمثّل في الأذهان، وتتّضح في الأفهام.
ويحاور التويجري أبا العلاء في مبدأ الاختلاف بينهما القائم على تباعد الزمن، وتباين المذهب، وتباعُد الرؤية الفلسفيّة إلى الحياة، فيقول: (صحيح أنّك رجل رحتَ بعيداً في كثير من التساؤلات، ولكنْ ما في يدك وما في يد إنسان اليوم غير متساوييْنِ: ما في يدك قليلٌ ومثير لآلامك الخاصّة التي سبّبتها ردود فعل لا تعني شيئاً لردود الفعل اليوم في عصر غزو الفضاء).
بل إنّ اختلاف الشيخ التويجريّ مع أبي العلاء لم يكن قائماً على فكر متشدّد، وعلى رأي متطرّف، ولكنْ على تسامُح وتجاوُز، ولذلك يخاطبه قائلاً: (أختلفُ معك في بعض تصوّراتك عن الدّين، ولا أختلف معك في تجربتك مع الإنسان وتغيّره وتبصّره بالحياة. وسأكرّر هذه الحقيقة وأؤكّدها في كلّ رسالة، وأترك الحكْمَ عليك للّه، فالحكمُ للّه فيكَ وفينا).
يا اللّهُ! ما أجلّهُ من موقف، وما أكبرَه من فكرٍ؛ فالتسامح رائع حين يصدر عن رجل كبير، وعقلٍ رصين، يحاور به رجلاً كبيراً أيضاً، فلعلّه أن يمثِّلَ الْمَثَل الحكيمَ لشباب المثقّفين ليعرفوا كيف يختلفون مع الآخرين.
بيْدَ أنّ الشيخ عبد العزيز التويجريّ يبدي حزنه الشديد إذْ لم يُهْدَ إلى الكتابة عن أبي العلاء أيّامَ كان غصنُ شبابه نضيراً فيقول: (وكم عاتبتني شيخوختي: لماذا لم تحمِلْ قلمَك قبل أن ترتعش يدك، ويرتعش ذهنك؟ لماذا الآن؟...). ونحن نرى أن الشيخ التويجري كتب عن المعرّي في الوقت الذي كان يجب أن يكتب عنه فيه، لم يتقدّم ولم يتأخّر. أم هل كان يرى أن كتابة الشباب أنضج وأرصن وأعمق من كتابة الشيوخ؟ ألاَ على هِينَتِكَ يا سيّدي؛ فإنّا نغار على جلال فكرك، وصفاء ذهنك، وهُما، قطعاً، لم يرتعشا إذِ ارتعشت اليد، بل ازدادا نُصُوحاً ونُصُوعاً، ونضارةً وصفاءً. إنّك أيها الشيخ الجليل لم تقلْ ذلك إلاّ من باب التواضع الخالص، والدّماثة السَّمْحة، ونِعِمَّا هُما فيك!.
وإذا كان أبو العلاء يرفض لذاذة الحياة، ويَعُدّها مجرّد محنة يُبْلى بها الإنسان، وأنّ ما يَعُدّه النّاس لذةً فيها ومتاعاً لا يساوي أكثر من الْقَيءِ العارض حين يذَرَعُ الشخصَ فلا يستطيع له إمساكاً:
أرى جُرَعَ الحياةِ أمرَّ شيءٍ
فشاهِدْ صِدْقَ ذلك إذْ تُقاءُ!
فإنّ الشيخ التويجريّ مفكّر يحبّ الحياة، ويحسن تذوّق لحظات السعادة فيها، بل نلفيه يهيم حباً بجمال الطّبيعة فيصفها وصْفاً رومنتيكيّاً جميلاً كما يمثُل ذلك في بعض قوله: (في هذه اللحظة التي جمعت فيها أوراقي لمغادرة المكان، فيما بين الجبلين، نادى رُعاةُ القطيعِ مواشيَهم عائدين بها إلى بيوتِ القبيلة، فمرّتْ بي هذه القطعانُ ورُعاتُها: شابّاتٍ وشباباً (...) ونسيمُ الصَّبا، وروائحُ الْخُزَامَى، هي روائحهم، وهي أنفاسُهم...). فهذه لوحة شعريّة مثقلة بالأحاسيس النّابعة من جمال الطبيعة السعوديّة، ومن جلال الصحراء، ومن تحسّس الكاتب لذلك تحسّساً شفّافاً لا يماثله إلاّ تحسّس أكابر الشعراء.
***
لَشَدَّ ما كنتُ أحرص على مصاحبة الشيخ التويجريّ في حواره لأبي العلاء فأقتحم عليهما لأكون ثالثاً، لكنّ مساحة هذه الكلمة محدودة، ولا نرى أنها تحتمل أكثرَ ممّا كتبنا، بل ربما جاوزنا الحدّ، وخرجنا عن القصد.. ولعل الأيام أن تتيح لنا أن نقف وقفة مطوّلة مع الشيخ فندارس فكره، ونحلّل أدبه، لأنّي أُحس وأنا أنفض اليد من تدبيج هذه الأسطار أنّي لم أوفِ بحقّه، وأنّي لم أُوفَّق إلى ما كنت أرمي إليه.
أيّها الشيخ الجليل! فإن رأيتَ هذه الأسطارَ المدبَّجةَ عنك قِصاراً قِلاَلاً فليس لأنّك لستَ أهلاً لأكثر من ذلك، وإن رأيتَ هذا القلم كليلاً في وصفك، حسيراً في ذِكْرك، فليس لأنّك لا تستحقّ أن تُزْبَرَ عنك المجلّداتُ الضِّخام، ولا أن تُدبَّجَ فيك الأسفارُ الطِّوال. فرُوَيداً، رويداً! فقد يأتي الخصبُ بعد الجدب فيُحْيِينا، وقد يأتي الكثيرُ بعد القليلِ فيُغْنِينا، وقد يَهمِي الغيث الْمِدرارُ فيَسقينا؛ فتَعْبُق أنفاسُ الشبائِبِ والشباب، وتزهو (القطعان في الْمراعي) الثَّوَادِي، وتنضُر أوراقُ الشِّيح والجادِي، وتترأَّدُ أغصان العبْهَرِ والْمُصَاصِ حين تجودُها الغَوادِي، وتتفتّح أزهار الخزامى فتَضُوع (بين الجبلين) فتُعطِّر البوادي، وتُرْوي الصّوادي

الحوشية
11-12-2006, 02:59
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/13.jpg

(كفاكَ جيلان محمولاً على النَّصب)!
حمد بن عبد الله القاضي*

** كلما التقيت بمعالي الشيخ الجليل عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري سابقاً ولاحقاً قرأت في وجهه وأحاديثه جزءاً مهماً من تاريخ ونضال وعطاء أبناء هذه الوطن في بدايات انطلاقته الحضارية والسياسية والثقافية.
الشيخ عبد العزيز التويجري لم يكن عطاؤه فقط عبر مكتب يجلس عليه، ويعطي من خلاله لوطنه، لكن قَرَن هذا العطاء بنضال آخر: ألا وهو الإسهام عبر الحرف والرأي والمشورة في مسيرة هذه البلاد فضلاً عن قراءته المتعلِّقة بتاريخ هذا الوطن وتجلية معاني وركائز وحدته على يد الملك عبدالعزيز - رحمه الله -.
***
الشيخ عبد العزيز التويجري عاشق لهذه الأرض ومتيَّم بها، وهذا العشق جسَّده من خلاله عمله، وحرفه وحواراته وأحاديثه، وكم يشد المستمع إليه، وبخاصة عندما يطوِّف في عوالم المتنبي والمعري والصحراء والملك عبدالعزيز وكل مفردات هذا الوطن الأخَّاذة.
أذكر قبل سنوات أن زرته في دارته مع الأديب الراحل أ. عبد الله الشيتي - رحمه الله -، وعندما جلسنا إليه، وكان مجلسه عامراً بمختلف شرائح المجتمع ودار الحديث عن (المنجز الثقافي والتعليمي) في بلادنا، وكم أجاد وحلَّق الشيخ عبد العزيز وهو يتحدث عن هذا الجانب بوصفه مواطناً وبوصفه مثقفاً ثم دار الحوار معه وكان يجيب على الأسئلة برؤية الواثق متكئاً على تأمُّلاته المعمَّقة لتاريخ هذا الوطن الحضاري.
***
ولعل من توفيق الله أن استطاع الشيخ (أبو عبد المحسن) أن يدوِّن جزءاً مهماً من تاريخ هذا الوطن وأن يسهم في إثراء المكتبة عبر مؤلفاته التي بقدر ما يشدك إليها مضمونها التّأملي والفلسفي قدر ما يشدك أسلوبها المشرق الأخّاذ!.
لكم استمتع القارئ وهو يقرأ (رسائله إلى ولده) ويطوف معه في (منازل الأحلام القديمة) و(يحطب برفقته ما لاقاه في ليله الضجر) أو عندما اصطحبه في (عناء الطريق العلا) أو سار معه (هاتفاً معه عند الصباح لسراة الليل) أو حلَّق واستمتع معه وهو يروي (ذكرياته التي نامت على عضد الزمن).
***
ختاماً أقول للشيخ عبد العزيز - و(المجلة الثقافية) في (صحيفة الجزيرة) تكرّمه بهذا الملف الخاص عنه -: أشعر وأنت في هذه المرحلة من العمر تنظر إلى ماضي عمرك تحس بالارتياح.. فقد أعطيت لهذا الوطن ولقادته وإنسانه الكثير.. حسبك أن وَثَق بك قائدك وقائدنا الملك عبدالله فكنت الأمينَ على الأمانة، الباذل بكل وطنية، وها أنت ترى ثمار إسهامك في خدمة وطنك الأبهى: استقراراً وازدهاراً ومنجزات حضارية وثقافية واقتصادية وإسهاماً في خدمة أوطان العرب والإسلام والإنسانية.
وأقول لك أخيراً ما قاله أحد أصحابك الشعراء (الجواهري):
أرحْ ركابك من همٍ ومن سهد
كفاكَ جيلان محمولاً على النَّصب
متَّعك الله بالصحة والعافية.

---------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/14.jpg
قلعة من الأدب والفكر والثقافة
د.عبدالرحمن بن سبيت السبيت*

عندما تريد أن تتحدث عن شخصية وطنية أمضت عمرها في خدمة دينها ومليكها ووطنها، فإنك تحتاج إلى التوقف طويلاً لتستطيع الولوج إلى منافذ هذه الشخصية الفذة، ليس ندرة في معلومات، أو قلة في المواقف والأحداث، أو غموضاً في هذه الشخصية، وإنما أنت أمام قلعة في الأدب والفكر والثقافة والسياسة والاجتماع.
إن شخصية الوالد الكريم معالي الأستاذ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري هي مدرسة بذاتها تنهل من معينها ما طاب لك أن تنهل، تجللها الشهامة والكرم والشجاعة وبعد البصيرة والنظر، والتفاني في خدمة الدين والوطن، ومساعدة الغير، ورأب الصدع، وجمع الكلمة وتضييق مواقع الشتات والتفرق على مستوى الخريطة العربية.
عرفت معالي الشيخ الكريم منذ عشرات السنين، وسمعت من الناس في شتى مناطق بلادنا الغالية الثناء العطر والمديح الفطري والرضا المتكامل عن هذه الشخصية التي أوكل لها خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -رعاه الله- موقعاً متميزاً في إدارة وتوجيه شؤون الحرس الوطني، فكان عند حسن ظن مليكه، ساهراً ومتابعاً ومشاركاً لتطوير وبناء هذه المؤسسة العسكرية الحضارية التي أصبح يشار إليها بالبنان بحمد الله تعالى.
ومنذ ما يزيد عن 25 سنة تشرفت بخدمة المؤسسة العسكرية الناهضة الحرس الوطني تحت الرعاية والتوجيه الكريم من لدن خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز، وتلك الصفوة المختارة من الرجال الموكلة بالإشراف والتطوير والنهضة لمنسوبي الحرس الوطني، حيث انتقلت من جامعة الملك سعود - كلية التربية - لأعمل وكيلاً للشؤون الثقافية والتعليمية فيها ومشرفاً في كلية الملك خالد العسكرية التي أنشئت عام 1403 هـ - 1983م، ثم وكيلاً للشؤون الفنية لسنوات أخرى، وإلى ما أنا عليه الآن بوكالة الحرس الوطني.
ربع قرن من الزمان بعد أن أخذ الزمان على الإنسان وقتاً سابقاً من الخبرة وعراك الحياة والمسؤوليات المتنوعة التي توليتها قبل أن انتقل إلى هذه المؤسسة العسكرية المباركة، وأقولها بحق إن هذه المواقع والخبرات التي اكتسبتها قبل مجيئي إلى الحرس الوطني كانت حصيلة جيدة لأتعرف عن كثب وبعلاقة مباشرة مع هذا الرجل القدوة، هذه القامة الثقافية الفكرية الأصيلة، هذا الرجل الذي يشع الأمل والنظرة المتفائلة إلى المستقبل من كل جوانحه وعقله وأفكاره.
لقد كنا نجد فيه: الأخ الكبير بل الوالد الحريص على سير العمل وتقدمه والسهر عليه ومتابعاته وتوجيهاته، نجده البلسم الذي يداوي المصاعب والمهمات، يحمل على نفسه أكثر مما يحملك ويطلب منك، يجتمع بكبار مسؤولي قطاعات الحرس الوطني باستمرار، يتابع أخبار منسوبي الحرس وواقعهم وحاجاتهم، أبوابه مفتوحة للقاصي والداني. تعلمنا منه الكثير: الأمل، الصبر، المثابرة، العمل المتواصل، الإخلاص للقيادة الحكيمة، ونظرته العربية الإسلامية، دعوته إلى التآلف والمحبة في الداخل وعلى مستوى الخريطة العربية الإسلامية.
ولعل الشاعر العربي الأصيل يقصد معالي الشيخ عبدالعزيز وأمثاله حين قال في قصيدته:
وكم رجل يد بألف رجل
وكم ألف تمر بلا حساب
لعلي في هذه المقدمة السريعة قد قدمت كلمات توفي بحق هذا الشيخ الجليل ومقامه في نفوسنا وقلوبنا التي تربع واحتل جزءاً كبيراً منها، فحياه الله تعالى، وأطال في عمره المديد ليواصل مسيرة العطاء والإخلاص للدين والمليك والوطن.
والآن لتسمحوا لي أن أقدم لكم نماذج عملية ملموسة مما عشته ولمسته وعملت في معيته، والتي طالت كافة قطاعات وأجهزة الحرس الوطني في بلادنا الغالية، ولهذا سأضع أمامك أخي القارئ بعض المرئيات:
1- لقد التحق معالي الأستاذ عبدالعزيز في خدمة الدولة منذ ما يزيد عن سبعين عاماً كانت بصمات الخبرة وآثاره الطيبة تظهر على ما يوكل إليه من مسؤوليات ومهمات.
2- عهدت القيادة الحكيمة منذ ما يزيد عن 40 سنة لمعاليه موقعاً متميزاً في الحرس الوطني، فقام بهذه المهام على أحسن وجه وأكمل صورة، فقد أدرك مبكراً توجيهات ورغبات القيادة الحكيمة في تطوير هذه المؤسسة العسكرية بشكل يتلاءم وهذا النمو المتصاعد في كافة أجهزة الدولة.
3- تشرف معاليه بأن يكون أحد المرافقين الأساسيين لخادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز في رحلات الخير والوفاق والمصالحة التي يقوم بها في العديد من دول العالم.
4- كثيراً ما كان خادم الحرمين الشريفين يعهد إليه بمهمات داخل الوطن وخارجها في سبيل بث الخير، والوفاق والائتلاف ونبذ الفرقة والخلاف، وكان معاليه عند حسن ظن مليكه فيه لجميع هذه المهمات، وقد تشرفت بمرافقة معاليه في بعض منها.
5- من هذا كله وعلاوة على رصيده الشخصي تمكن معاليه أن يقيم علاقات طيبة ومتميزة مع عدد كبير من القيادات ومراكز الحكم في البلاد العربية لما يعمل على جمع الكلمة بائتلاف القلوب وتصافي النفوس، وقد أكد قادم الأيام تفوقه في هذا المجال.
6 - أدرك معالي الاستاذ عبدالعزيز مبكراً بأن القيادة الحكيمة ترغب في أن يصل الحرس الوطني بجناحيه العسكري والحضاري إلى مستوى لائق بمكانته وببلادنا الغالية، وأن تكون هذه المؤسسة العسكرية حضارية بكل ما في هذه الكلمة من معانٍ.
7 - من هنا راح يتابع بهدوء وبصيرة مع قيادات الحرس الوطني العسكرية، ومع قيادات القطاعات والأفواج والألوية في أنحاء المملكة خطط التطوير والتنمية التي وضعت من القيادة الحكيمة لاستكمال هذا التطوير والبناء سواء في ميادين التدريب، أو الإعداد الشخصي أو التزويد بالمعدات والسلاح اللازم لهذه المؤسسة أو ما يحيط بهذا كله.
8- تلازمه مع هذا التطوير والتنمية العسكرية بكافة أوجهها وتلك التوجيهات السامية السديدة، أدرك معاليه الحاجة الماسة لمنسوبي هذه المؤسسة المباركة للأخذ بيدهم في ميادين الثقافة والتراث والتعليم فكان أن انتشرت مدارس البنين والبنات، الابتدائية والمتوسطة والثانوية على أحدث طراز واستكمال مستلزماتها الحديثة وأنشئت كلية الملك خالد العسكرية لتخريج الضباط العاديين والجامعيين وكذلك مدارس ومعاهد تحفيظ القرآن الكريم.
9- جاء التوجيه السامي الكريم ليوجه ويتابع هذا التطوير والنمو في قطاعات الحرس الوطني، بإقامة المهرجان الوطني للتراث والثقافة الذي أصبح أحد معالم نهضتنا البارزة والصوت السعودي المتزن، حتى أجمع مثقفو العرب وغيرهم بأنه (عكاظ العرب الجديد) وأحد أبرز المهرجانات في سمائنا العربية.
10 - كان يوجه ويحرص بشدة على أن تلتقي الصفوة من المفكرين والأدباء مع راعي المهرجان الوطني وصاحب فكرة تأسيسه، في هذا العالم الذي اختلطت فيه الأوراق وهوجمت الثقافات والهوايات، أن يلتقوا مع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز ويستمعون مستمتعين إلى رعايته وتوجيهاته السديدة وحرصه على الثقافة العربية الإسلامية كمصدر هام في الثقافات العالمية وإلى تنمية الحوار بيننا وبين الآخر ويتم ذلك في جو من الإخاء والمحبة وشوق اللقاء يشملهم -أطال الله عمره- بكرم ضيافته العربية الإسلامية حيث يتناولون طعام الغداء على المائدة الملكية الكريمة يحيط به العلماء والأدباء ورجال الفكر والسياسة والاقتصاد من دول الخريطة العالمية. إنه لمشهد طيب يذهب به أصحابه إلى بلاده شاكرين وعارفين هذا التطوير والتقدم الذي حققته المملكة العربية السعودية بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز -حفظه الله.
11 - التنظيم والتطوير هو هاجس معالي الشيخ وديدنه الذي يؤكد عليه لينمو العمل ويتكامل ويؤتي ثماره يانعة مباركة.
وقد ظهر ذلك جلياً في كافة أجهزة قطاعات الحرس الوطني سواء الشؤون العسكرية منها أو الشؤون الثقافية، أو الشؤون الدينية أو الرعاية الصحية التي تخطت بأعمالها وسمعتها الآفاق لتحظى بموفور الصحة والعافية على العديد من الدول العربية والإسلامية وغيرها، مما جعلهم يلهجون بعظيم الثناء والتقدير على المملكة العربية السعودية وقيادتها الحكيمة.
12- لقد كان لمعالي الأستاذ عبدالعزيز التويجري دور كبير في رفد المكتبة العربية بالعديد من المؤلفات التي جاءت عن هذه الثقافة الواسعة لمعاليه وتلك التجربة التي لا تماهى، وهذا الموقع الذي يقوم به في خدمة الوطن، وبالتالي فإن الدارس لها المتمعن بها يجد تلك الفوائد الجمة: من فطرة صافية ودعوة إلى التضامن والتآخي وإحياء التراث العربي الأصيل، ومفاهيم التربية والشهامة والعزة والكرامة وتاريخ الأمة.
هذه لمحات متواضعة وسريعة عن سيرة ذلك الرجل العبقري الذي نذر نفسه لخدمة دينه ومليكه ووطنه، والإسهام بكل جهد ومقدرة على تطوير وتنمية مؤسسة الحرس الوطني الحضارية.
وإننا إذ نسجل هذه الحقائق إنما نؤكد على ما تكنه أفئدتنا وعقولنا عن عظيم التقدير والامتنان لهذه القامة التي تعلمنا منها الكثير من مواقع المسؤولية المتعددة أو من لا يشكر الناس ويقدرهم لا يشكر الله تعالى.
حفظ الله معالي الشيخ عبدالعزيز وأمد في عمره ليتواصل العطاء وتستمر الثمار بإذن الله.

الحوشية
11-12-2006, 03:06
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/15.jpg

محطات في سيرته الكُبرى!
محمد بن عبدالله السيف

يمثل الشيخ عبدالعزيز التويجري ظاهرة فريدة ومتميزة في مسيرتنا الثقافية والفكرية، وربما عُدّ المثقف السعودي الأبرز، الذي توقف في دارته وحطّ الكثير من المفكرين والمثقفين والباحثين والصحافيين العرب على اختلاف توجهاتهم وآرائهم، يحاورونه ويناقشونه في قضايا التاريخ والأدب والفكر، التي اشتغل بها وانشغل عليها، وإلى جانب ذلك، فهو أحد رجالات الإدارة السعودية، منذُ أن انخرط فيها موظفاً قبل 70 عاماً. وتلبيةً لدعوة كريمة من أخي العزيز الأستاذ إدريس بن عبدالله الدريس، نائب رئيس التحرير، للمشاركة في هذا العدد المُخصّص للاحتفاء بالأديب الكبير، أعرض لشيء من سيرته ومسيرته، مما هو مُستخلص من قراءتي لكتبه، ومتابعتي لما ينشره، ومحاورتي إيّاه ونقاشي معه في قضايا التاريخ والشعر النبطي والثقافة العامة.
- ولد في حوطة سدير سنة 1336هـ، ومن ثم انتقل إلى المجمعة وعمره ست سنوات.
- بدأ عمله متطوعاً في صفوف جيش الملك عبدالعزيز، رحمه الله.
وفي عام 1350هـ عين مشرفاً على بيت مال المجمعة وسدير والزلفي بأمر من جلالة الملك عبدالعزيز - رحمه الله-.
- وفي عام 1357هـ عين رئيساً لمالية المجمعة وسدير والزلفي بأمر من جلالة الملك عبدالعزيز - رحمه الله - .
- وفي عام 1381هـ عين وكيلاً للحرس الوطني بموجب المرسوم الملكي رقم 6-21-2322 بتاريخ 28-5-1381هـ.
- وبتاريخ 4-7-1395هـ صدر المرسوم الملكي رقم أ - 108 وتاريخ 4-7-1395هـ بتعيينه نائباً لرئيس الحرس الوطني المساعد بالمرتبة الممتازة.
- وبتاريخ 5-7-1397هـ صدر الأمر الملكي رقم 1-177 بتعيينه نائباً لرئيس الحرس الوطني المساعد بمرتبة وزير.
- عضو مجلس الأمن الوطني، اللجنة التحضيرية بالمجلس الصادر بالأمر رقم 1659 -8 وتاريخ 14-10-1399هـ.
- عضو مجلس القوى العاملة الصادر بالمرسوم الملكي رقم م - 31 وتاريخ 1-8-1400هـ.
- عضو المجلس الأعلى للدفاع المدني الصادر بالمرسوم الملكي رقم م -10 وتاريخ 10-5-1406هـ.
- نائب رئيس مجلس إدارة مكتبة الملك عبدالعزيز بالأمر الصادر رقم 2429 وتاريخ 28-5-1407هـ.
- نائب رئيس اللجنة العليا بالحرس الوطني الصادر بالأمر رقم 87-م وتاريخ 22-7-1411هـ.
- عضو اللجنة العليا لإعداد النظام الأساسي للحكم الصادر بالمرسوم الملكي رقم أ - 90 بتاريخ 27-8-1412هـ.
- عضو اللجنة العليا لإعداد نظام مجلس الشورى الصادر بالمرسوم الملكي رقم أ - 91 وتاريخ 27-8-1412هـ.
- عضو اللجنة العليا لإعداد نظام المناطق الصادر بالمرسوم الملكي رقم 100 -92 وتاريخ 27-8-1412هـ.
- نائب رئيس هيئة الإشراف على مجلة الحرس الوطني.
- كرسي الزمالة باسم الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري بجامعة هارفارد بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعني ذلك توفير منح دراسية للطلاب المتفوقين من مختلف أنحاء العالم للدراسة في جامعة هارفارد وبالأخص طلاب العالم الإسلامي والعربي.
- شهادة تقدير من جامعة جورجيا الحكومية بالولايات المتحدة الأمريكية كإحدى الشخصيات المشاركة بالدراسة المتعلقة بصانعي القرار الإستراتيجي.
- نائب رئيس اللجنة العليا للمهرجان الوطني للتراث والثقافة.
- حصل على عدد من الأوسمة والميداليات.
- قام بمشاريع خيرية داخل المملكة وخارجها.
- تم إنشاء قاعة الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري بمركز الأبحاث والكبد بجامعة لندن.
- هوايته القراءة ورياضة المشي.
- شارك في معظم رحلات خادم الحرمين الشريفين منذ عين رئيساً للحرس الوطني سنة 1384هـ إلى مختلف دول العالم.
- شارك في كثير من مؤتمرات القمة الخليجية والعربية والإسلامية والدولية.
- شارك في الكثير من الندوات الفكرية في المملكة وخارجها.
- له مراسلات وعلاقات صداقة مع معظم الشخصيات العالمية والعربية والسياسية والثقافية.
* من مؤلفاته:
1- في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء، القاهرة - المكتب المصري الحديث - الطبعة الأولى عام 1979م.
في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء بيروت - دار الساقي - الطبعة الثانية عام 2004م.
2- حتى لا يصيبنا الدوار (رسائل إلى ولدي) لندن - الدار العالمية - 1403 - 1983م.
3- منازل الأحلام الجميلة (رسائل إلى ولدي) لندن - الدار العالمية - 1403هـ - 1983م.
4- حاطب ليلٍ ضجر (في جزءين) القاهرة - دار الشروق - 1987م.
5- أبا العلاء ضجر الركب من عناء الطريق، الرياض - مطبعة الفرزدق - 1410هـ -1990م.
6- خاطرات أرقني سراها، الرياض - مطبعة الفرزدق - 1411هـ - 1991م.
7- لسراة الليل هتف الصباح (الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية) - بيروت - دار الريس، 1997م، وتعددت طباعته ست طبعات.
8- ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن - بيروت - دار الساقي 2000م.
9- رسائل خِفْتُ عليها الضياع - بيروت - دار الساقي 2001م.
10- عند الصباح حمد القوم السري (الملك عبدالعزيز دراسة وثائقية) الناشر - بيروت - دار الساقي 2004م.
11- أجهدتني التساؤلات معك أيها التاريخ - بيروت - دار الساقي 2002م.
12- ركب أدلج في ليلٍ طال صباحه - بيروت - دار الساقي 2006م.
13- الإنسان رسالة وقارئ - بيروت - دار الساقي 2006م.
14- رسائل وما حكته في بيتي - بيروت - دار الساقي 2006م.
في وهاد ومرتفعات المجمعة وسدير:
قبل مائة عام وعام، أي في عام (1326هـ) انضمت مدينة المجمعة إلى حكم الملك عبدالعزيز ودخلت في رداء الدولة السعودية، التي بدأت في التشكل حينذاك، وبعد هذا الحدث المهم في تاريخ المدينة، عاد بعض أعيانها إليها بعد أن غادروها مكرهين، وكان من ضمن العائدين أحد وجهائها وأعيانها المشاهير، وهو الشيخ عبدالمحسن بن محمد التويجري، الذي عاد إليها قادماً من العراق، ليباشر عمله في العهد السعودي الجديد مديراً لمالية المجمعة وسدير، وبعد أربعة عشر عاماً من هذا الحدث، كانت (المجمعة) على موعد مع مولد أحد أبرز أبنائها النابهين، الذي ستقدمه ليكون أحد رجالات الدولة المخلصين وأحد رموزها المثقفين.
كان هذا هو عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، الذي خطا أولى خطواته على هضاب ووهاد المجمعة وعاش في كنف ورعاية والده، الذي لم يمهله القدر طويلاً ليُسر برؤية أبنائه وهم يساهمون في خدمة دينهم ووطنهم ومليكهم، إذ اختطفه الموت على ساحل الخليج العربي، عائداً من الدكتور ديم، بعد أن وجّه الملك عبدالعزيز بعلاجه لديه في البحرين، والذي نصحه بالرجوع إلى أهله بعد أن يئس من علاجه، فكانت الوفاة عام 1346هـ، قريباً من بلدة الجبيل الحالية.
عن هذا الحدث الجلل في مسيرة أبنائه الأطفال، يتحدث الشيخ عبدالعزيز مستذكراً تلك الأيام بقوله: (جاء الخبر إلى والدتي فلبست السواد وحاولتْ أن تتماسك وتتجلّد وتستقبل الفاجعة بصبر كي لا ينزعج أطفالها، إلا أن الفجيعة ليست سهلة ولاحظنا حالة الحزن واتشاحها بالسواد، فبدأنا نسأل ونبكي كلّما رأيناها تبكي وبعد يومين قالت: لقد ذهب والدكم إلى ربه!) وأضاف: (كنتُ يومها لا أعرف شيئاً عن فكرة الحياة والموت، فارتبكتُ وصرتُ أصرخ، ومع هذه الحالة بدأت أخاف من الموت، فصرتُ لا أنام إلا وعصاي بيدي لا تفارقني لأدافع عن نفسي إذا جاء إليّ الموت!!). ولأن والدة عبدالعزيز وشقيقه عبدالله من حوطة سدير، فقد انتقل معها إلى الحوطة ودفعت والدته به إلى الكتاتيب كي يتعلم شيئاً من القرآن الكريم عند المطوّع صالح بن نصرالله، الذي كان يولي عبدالعزيز اهتماماً خاصاً كونه يتيماً، وقد بقيت والدته طيلة حياتها دون زواج ترفض المتقدمين لها بغية الاهتمام بصغارها ورعايتهم.
وعن اليُتم الذي عاناه التويجري وواجهه في طفولته، يقول: (اليتم الموجع أثّر في حياتي وعجزت عن احتماله أو تفهمه آنذاك).
في حوطة سدير، جنوباً عن المجمعة، عاش عبدالعزيز التويجري سنوات طفولته، وتشكّلت له صداقات مع عدد من أبنائها، الذين زاملوه في الكُتّاب، غير أنه انفرد عن أطفال القرية بميله إلى العزلة وإلى الهروب عن أهله، ويتذكر الشيخ عبدالعزيز أنه هرب ذات يوم ومعه قليل من التمر والماء ولاذ بغارٍ مجاور للقرية وبقي فيه ليلة موحشة لم يساعده على تجاوزها إلا غلبة النوم عليه، وكان أكثر ما أخافه ما كان يسمعه من الكبار من أحاديث وقصص عن الجن، فعلقت في نفسه مخاوف لم يحتملها قلب الطفل، الذي أجهش بالبكاء وشعر بالندم وخرج من الغار، لكن خوفه من الطريق كان أكثر! فبات ليته تلك في الغار، وفي الصباح التقى براعي أغنام تناثرت أغنامه حول الغار، فخرج إليه الطفل يخبره بحاله ويسأله عن الجن والذئاب؟ فرد الراعي بأنه لا يوجد جن ولا ذئاب وأخذ بيده وعاد به إلى أمه وسلمه إياها، وكان أهل القرية قد بذلوا جهداً لمعرفة مصيره، لكنهم لم يفكروا بالغار!
إلى المجمعة مرة ثانية:
بعد سنوات، انتقل الطفل إلى المجمعة، ليعيش في كنف أخيه الأكبر حمد، الذي سبق وعيّنه الملك عبدالعزيز مديراً لمالية المجمعة وسدير والزلفي، خلفاً لوالده، عام 1347هـ، وحمد التويجري، هو الابن الثاني في الترتيب من بين أبناء الشيخ عبدالمحسن، بعد محمد، الذي رفض أن يتولى شيئاً من شؤون الدنيا ورعاً وزهداً.
في المجمعة عمل الشاب عبدالعزيز مع أخيه حمد في إدارة بيت المال ورعاية شؤون الأسرة. وذات يوم وهو خارج عن بلدته يتمشى في أحد أوديتها، كما هي عادته، كان له موقف قادته الظروف إليه، دونما تخطيطٍ أو موعد مضروب! هذا الموقف سيكون له الأثر الأبرز في حياة الشاب عبدالعزيز، أو سيكون المنعطف الأهم في مسيرته الثقافية والعلمية، إذ بينما هو يسير في الوادي تناهى إلى سمعه صوت رجل مسنٍ حكيم يُردد قول المتنبي:
كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً
وحسبُ المنايا أن يكن أمانيا
هذا البيت أوقف الشاب، الذي أدار حواراً طويلاً مع الشيخ الحكيم، فعرّفه بالمتنبي وبأبي العلاء المعري، اللّذين يسمع بهما الشاب لأول مرة في حياته، فسأله عنهما فأجابه الشيخ بما أسرّه وبما وجهه إلى عالمٍ آخر أوسع من عالم القرية آنذاك، ومنذُ ذلك الحين لايزال حواره قائماً مع المتنبي والمعري، حيثُ ظل لهما تلميذاً إلى اليوم يتعلم منهم ويتخلف معهم ويحاورهم ويجادلهم، وقد وثّق حواراته معهم ومناجاته لهم بكتابيه الشهيرين: (في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء) و(أبا العلاء: ضجر الركب من عناء الطريق).
عن ذلك الشيخ المُسن الحكيم الذي أباح لي باسمه ذات مساء، يقول التويجري: (لا استبعد أن الشيخ في اختياره لذلك المكان المعزول في وادٍ صغير مجاور لمقبرة قديمة، أراد أن يخلق لنفسه عالماً خاصاً يؤنسه في غربته الروحية والفكرية، استنتج ذلك من أول صوت سمعته منه، ونظرتي تلاقت مع نظرته وهو ينشد بصوت رفيع: كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً). مع حوار ومناقشة ذلك الشيخ الحكيم في أحد أودية المجمعة، انطلق عبدالعزيز التويجري إلى آفاق واسعة في الثقافة، فأخذ يُعلّم نفسه بنفسه، ويقرأ كثيراً، حتى اشتد أمره وأصبح أحد متعلمي بلدته ومثقفيها دون أن يدخل مدرسة أو معهداً، فقد تخرج في جامعة الحياة وكلية التاريخ، التي الهمته وعلمته الكثير.
إلى عسير:
في عام 1353ه حدث في التاريخ السعودي ما يُعرف ب(حرب اليمن) وكانت هذه الحرب كفيلة بإخراج الفتى عبدالعزيز التويجري من حدود بلدته الوادعة، الغافية في أحضان نجد إلى مرتفعات وشواهق عسير، على الطرف الجنوبي من بلاده السعودية، حينما قرر الانضمام متطوعاً -مع غيره من أبناء المجمعة وسدير- في الجيش السعودي المتجه إلى الحدود مع اليمن، فكانت هذه أول مهمة خارج بلدته، وجاء انضمامه ضمن الفرقة الرابعة التي كان على رأسها الأمير محمد بن عبدالعزيز، والتي انطلقت من الرياض إلى عسير، غير أنها ما إن وصلت إلى أبها حتى كان الصلح قد تمّ بين الملك عبدالعزيز والإمام يحيى، رحمهما الله، فعادت الفرقة أدراجها من حيثُ جاءت.
ورغم عدم مشاركة الشاب عبدالعزيز في الحرب، إلا أنّ لهذه الرحلة الطويلة من الرياض إلى أبها أثراً كبيراً في حياة الشاب، فقد تعوّد منها الصبر والاحتمال وتدرّب فيها على الجوع والظمأ والإيثار فيما بين رفاق الرحلة، ولا يزال الشيخ يستعيد ذكرياته مع المطايا والصحراء وسُرى الليل والحادي، وما تخلل تلك الرحلة الطويلة التي قطع بها الفيافي والسباسب والمهام على ظهور المطايا.
رئاسة بيت المال:
بما أن الفرقة الرابعة في الجيش السعودي، والتي شارك فيها الشاب عبدالعزيز التويجري قد انطلقت من الرياض، فهذا يعني أن الشاب قد زار الرياض وعرفها، لذا ظلت الرياض حاضرة في ذهنه، يقوده الطموح إليها، فبعد أربعة أعوام من زيارتها، عاد إليها ثانيةً يحدوه عزم الرجال في البحث عن العمل في دولة عبدالعزيز، لذلك فقد فكّر في توجيه خطاب إلى الملك عبدالعزيز يطلب فيه عطفه وتوجيهه، فيّمم وجهه ذات يوم من أيام 1357هـ، شطر الرياض، برفقة صديقٍ له من البادية، وكان قد استأذن والدته، فأذنت له، وحظيَ الشاب الطموح بلقاء مليكه وسيده، الذي أبرق لحمد التويجري مخبراً إياه بتعيينه مديراً لمالية القصيم وتعيين أخيه عبدالعزيز بديلاً عنه في رئاسة مالية المجمعة والزلفي وسدير، فكان أن ذهب حمد إلى القصيم واستلم الشاب عبدالعزيز أولى مهامه في عالم الإدارة السعودية، والتي استمرت معه إلى اليوم، نائباً مساعداً في الحرس الوطني ورجلاً من رجالات الدولة، وحامل رسائل ملكية.
لم تكن مقابلة الشاب عبدالعزيز لمليكه في الرياض هي الأولى، إذ سبق أن وقف بين يديه وحظيَ بقبلةٍ حانيةٍ منه، وذلك قبل عشرة أعوام من لقاء الرياض، ففي عام 1347هـ، وبعد أن وضعت معركة (السبلة) أوزارها، زار الملك عبدالعزيز المجمعة واستضافه مدير ماليتها الشيخ حمد التويجري، وفي منزله جاء أشبال أُسرة التويجري ليسلموا على المليك المؤسس، وكان في مقدمتهم عبدالعزيز، فسلّموا عليه وقبّلهم جميعاً وأمر لكل واحدٍ منهم بعشر ريالات فضية.
أما اللقاء الثالث، فكان في عام 1358هـ، فقد كان الملك عبدالعزيز مخيماً في (الشوكي) فرأى مدير المالية أن يذهب للسلام عليه، فانتخب ثلاثة من أبناء المجمعة وذهبوا إليه، وذات يوم وبعد صلاة الفجر دُعي التويجري ورفاقه لمقابلة عبدالعزيز والسلام عليه. عن هذا اللقاء الأول بين المليك عبدالعزيز وبين الموظف الجديد وما يثيره في الذاكرة، يقول التويجري: (الشيء الذي تثيره هذه المناسبة التي هي أول لقاء لي بالملك عبدالعزيز بعد أخذي الوظيفة هو ما لا أقوى على وصفه. لكن ما بقي معي منه ما زال يبهرني ويذهلني. عملاق، والرجال من حوله يومها في تقاصر عن هامته. كلّما تذكرته واقفاً والرجال يحيطون به وقوفاً صعّدتُ بصري إليه وإلى شبه الجزيرة العربية فتراجعت الحيرة عندي).
طيلة الفترة الممتدة من عام 1357هـ إلى عام 1381هـ، ظل التويجري في المجمعة يُدير ماليتها وما ارتبط بها من مدن وقُرى، يتلقى أوامر سيده المليك فينفذها، وتكشف رسائل عديدة متبادلة بين المليك المؤسس ومدير المالية عن توجيهات ملكية حانية وتعكس ما كان عليه الملك عبدالعزيز من حرص واهتمام بشؤون وطنه ومواطنيه، من ذلك مثلاً برقية أرسلها الملك عبدالعزيز في عام 1359هـ، يسأل فيها عن أحوال المزارعين بعد هطول الأمطار، وأخرى تحمل توجيهاً بأن المليك أرسل حبوباً وإبلاً لتوزع على مزارعي المنطقة لمساعدتهم على القيام بمهام الزراعة. ومن أراد التوسع في هذا المجال فليعُد إلى كتابي (لسراة الليل هتف الصباح) و(عند الصباح حمد القوم السُرى).
حوار الثقافة:
في منتصف الخمسينات (1955-1375هـ) استقبلت مدن وقُرى نجد أعداداً كبيرة من المعلمين من مختلف البلاد العربية، خاصة مصر، بغرض التدريس في مدارسها، فكانت فرصة ثقافية واسعة لعدد من أبناء نجد، الذين أجروا حوارات ومناقشات مع عددٍ منهم، وكان من أبرز شباب نجد، الذين اشتهر وعُرف عنهم اهتمامهم بالمعلمين العرب، الشيخ عبدالعزيز التويجري، الذي فتح لهم بيته في المجمعة، فغدا منتدى ثقافياً، تُناقش فيه كثير من قضايا الثقافة في التاريخ والأدب والتفسير وغيره، ولقد أنِس التويجري بهذه الصفوة واسنوا به، واستفاد منهم وأفادهم من هذه اللقاءت، التي أضافت إلى رصيده المعرفي والثقافي، ولا سيّما بعد أن بدأ يقرأ ويطلع على صحف ومجلات عربية، وفي تلك الفترة كانت البلاد العربية تموج بحركة نشِطة من الأفكار، خاصة القومية منها، بعد قيام عبدالناصر بتأميم قناة السويس ومن ثمّ العدوان الثلاثي على مصر، الذي ألهب مشاعر المواطنين العرب، وأبرز شخصية الرئيس عبدالناصر كرمز قومي تعاطفت معه وهتفت له الجماهير، حيثُ أظهرت هذه الأحداث البُعد العربي في ثورة عبدالناصر، فكان الالتفاف الشعبي العربي حول مركزية مصر وقيادة عبدالناصر.
عبدالعزيز التويجري وكأحد المثقفين العرب، كان متفاعلاً مع هذه الأحداث القومية، وقد شكّلت نقطة انعطاف في مسيرته الفكرية وهويته القومية، لذلك حرص الشاب العربي الغاضب من هذا الاعتداء على مقابلة عبدالناصر، وذلك حينما ذهب ومعه ستة من شباب المجمعة إلى مصر، فكان أن التقوا بالرئيس عند مدخل إحدى دور السينما، وقد روي لي الشيخ في حوارٍ مسائي جميل مدى انبهار الشباب، وهم يلتقون الرئيس!
حياة التويجري في المجمعة، ورغم بُعدها عن الحواضر السعودية، إلا أنها لم تكن حياةً تقليدية كما قد يتصورها البعض، بل كانت حياة شاب طموح قلق متوثب، عانى خلالها قلقاً فكرياً وصراعاً نفسياً، لكنه انتصر في النهاية بقوة إرادته وبصدق عقيدته وبتأمله في ملكوت الله وآياته في الكون.
في هذا الصدد، يتذكر التويجري موقفاً حدث له وهو خارج من بيته في المجمعة إلى المسجد، لأداء صلاة الفجر، حينما صادفه رجل فسأله: أين أنت ذاهب؟ فرد الشاب قائلاً: إلى المسجد، فقال الرجل: خذ هذا الكتيب ليساعدك على معرفة المسجد أكثر!!
أخذ الشاب الكُتيبَ ووضعه في جيبه، وبعد صلاة الفجر أخذ يقرأ فيه، وكلّما قرأ أكثر شعر بشيء مبهم يغشى مشاعره وأحاسيسه ويثير عنده صوراً تشكلها في خياله ألفاظ ما سمعها من معلم الكُتّاب ولا من إمام مسجده. وقد أثارت عنده شيئاً من المراهقة الذهنية وأوجدت بعض الارتباك لأن ما في الكتيب -كما يقول التويجري- مثير لتساؤلات كثيرة ومجيب عن بعضٍ منها بأجوبة أقل ما أقول عنها اليوم: إنها آتية من فكر بخس لا أملك وعياً كافياً لخطورته آنذاك.
يصف التويجري أثر تلك الحادثة على نفسيته، فيقول: (وقعتُ فريسة للصراع الذاتي والنفسي فيما بين من اصطادني في الظلام وأنا ذاهب إلى مسجدي وبين ما علمتني إياه الأمهات والجدات الطيبات، لقد حاول هذا المتلصص أن يطفئ لدي نور الإيمان، كان كلُ ما في الكتاب خليط صاغته فلسفة مداعبة لكل غريزة، منازلة لها).
طالت آلام التويجري وعجزت دموعه أن تطفئ الحريق في نفسه، فقام بعدة رحلات إلى دولة عربية وإلى خارجها، وقادته تلك الرحلات إلى طبيب نفساني التقاه في القاهرة عام 1375هـ، فبعد أن حكى الشاب كلّ ما في نفسه والطبيبُ يكتب ويكتب، التفتَ عليه وقال له: (ما قيمة الحياة يا ابني من غير الدين والإيمان بالله؟ لكن تنقصنا المعرفة به ونحن نتخبط بعقولنا القاصرة في طريقنا إليه، نسير ونتعثر، وهذه العثرات هي عبادة لله، لأننا نمشي إليه بتساؤلات عنه وعن عظمته في آياته الكبرى).
ارتاح قلب الشاب واطمئن، وسأل طبيبه قائلاً: ما الذي تقوله عن هذا الإعياء والسقوط؟ أهو خوف من أن لا أصل؟! فقال له الطبيب: (أشدُ على يدك وعلى روحك وإرادتك وأدفع بك في اتجاه التأمل وعبادة الله وحده بنبض جوارحك).
يتحدث التويجري عن تلك التجربة وذاك الطبيب فيقول: (قدم لي نصائح كل ما فيها يحاول به أن يدنيني من الله، جلّ وعلا، ويبعدني عن شياطين نفسي وأبالستها، واستمرت الجلسات عدة أشهر، وبعدها ودعت هذا الإنسان الطيب وأحسستُ أن إرادتي ولله الحمد صارت أقوى من مخيفاتها من الأشباح).
إلى الحرس الوطني:
بعد 24 عاماً من العمل في رئاسة بيت المال في المجمعة والزلفي وسدير، وبعد ما حقّقه التويجري من حسن إدارة ومن صيتٍ طيب وسمعة حسنة لدى ولاة أمره وبين الناس، انتقل إلى الرياض للعمل في الحرس الوطني وكيلاً لسمو رئيسه الأمير سعد بن سعود بن عبدالعزيز، وذلك بموجب المرسوم الملكي الكريم الذي أصدره الملك سعود بن عبدالعزيز، ذي الرقم 6-12-2322 وتاريخ 28-5-1381هـ، والمتضمن أنه بناءً على مقتضيات المصلحة، فقد تم تعيين عبدالعزيز التويجري وكيلاً للحرس الوطني بالمرتبة الأولى وبراتبها المُقرّر لها.
وقد أشارت صحيفة (القصيم) بعددها الصادر بتاريخ 29-5-1381هـ، إلى أن تعيين التويجري وكيلاً للحرس الوطني يأتي بديلاً عن الفقيد الشيخ سليمان بن جبرين، وأضافت الصحيفة تقول: إن الشيخ عبدالعزيز قد باشر عمله بعد أن اجتمع ومديري الأقسام بالحرس الوطني بسمو رئيس الحرس الوطني، حيث استمع الجميع إلى توجيهات وإرشادات سموه التي تهدف إلى التعاون والعمل الجدي لما يحقق المصلحة العامة.
ومضت بالقول: (هذا وقد عُرف عن سعادة الشيخ عبدالعزيز أنه الرجل الحكيم البصير في مثل تلك الأعمال لخبرته الطويلة وخدماته الكثيرة في الدولة، مما جعل أفراد تلك الرئاسة مسؤولين وغيرمسؤولين يستبشرون خيراً ويؤملون في شخصه تعديل ما اعوج من الأوضاع التي لا تخدم المصلحة بفضل توجيهات سمو الرئيس، الذي لا يدخر وسعاً فيما يحقق الأهداف السامية التي يدعو إليها صاحب الجلالة الملك المعظم. فنهنئ سعادة الشيخ عبدالعزيز ونتمنى له التوفيق والنجاح).
بعد انتقال التويجري إلى الرياض حلّ مكانه في بيت مال المجمعة وسدير ابن عمه حمد بن ناصر التويجري ثم ابنه إبراهيم وما تزال رئاسة بيت المال في أبناء التويجري إلى اليوم منذُ مائة عامٍ وعام.
غادر التويجري المجمعة ووادي المشقر وأُشي، حيثُ ذكريات الطفولة وأحلام الشباب الغامر، غير أنها كانت وما تزال لديه هي أجمل الذكريات وأرحبها في نفسه.
يقول عنها وبشيء من الحزن: (هي اليوم تلتقي بي وأنا على آخر عتبات سلّم الحياة، ولقاء كهذا يرمي بالحجر الثقيل في أعماق النفس فتنفجر بالأحزان وتشق طريقها إلى قيعان الذات التي أمحلت، وأتساءل مع نفسي: هل صحيح أن الحياة مرّت بنا على هذه الطريق الطويلة من الذكريات دون أن نشعر بها إلا حين أكل الصيف أيام الربيع عندنا؟!).
في الحرس الوطني، عمل التويجري بكل جدٍ وإخلاص في إدارة هذه المؤسسة العسكرية، فكان أحد بُناتها الذين أرسوا دعائمها وكان أحد الذين وقفوا خلف مساهمتها في العمل الثقافي من خلال مهرجانها الكبير (الجنادرية) الذي أسّس للحوار الثقافي بين مثقفي الوطن العربي بمختلف أفكارهم وتوجهاتهم، حينما التقى القومي العربي مع اليساري مع الإسلامي في رحاب الرياض، كما أن هذا المهرجان قد أسّس تالياً للحوار الوطني، الذي نتفيء ظلاله اليوم.
الحدث الأهم في الحياة الإدارية للتويجري، هو حينما تعيّن الأمير عبدالله بن عبدالعزيز (خادم الحرمين الشريفين حالياً) رئيساً للحرس الوطني، فبدأت فصول قصة طويلة من الحب والوفاء والإخلاص والتضحية والتفاني كان بطلها عبدالعزيز التويجري.
عن علاقة التويجري بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، يُعلّق الكاتب الكبير فؤاد مطر، قائلاً: (الذي يتمناه عارفو علاقة الشيخ التويجري بالملك عبدالله بن عبدالعزيز، هو أن يكون الشيخ أنجز كتاباً عن هذه العلاقة نقرأه ذات يوم بمثل قراءتنا لما كتبه هيكل عن عبدالناصر، وبذلك يُكتشف الكثير عن أدوار ومهمات في اتجاه الغرب والشرق والعرب والمسلمين وبالذات ما يتعلق بالعلاقة السعودية - الأمريكية والعلاقة السعودية - العراقية والعلاقة السعودية - السورية، وهي أدوار أوكل عبدالله بن عبدالعزيز في كثير من المرات إلى الشيخ التويجري أمر التمهيد لها من خلال رسالة ينقلها أو وجهة نظر يعرضها أو نصيحة يسديها أو نص برقية يبعث بها من الأجواء ومن شأنها ترفع منسوب المعنويات.
ويضيف مطر قائلاً: (ولأنه عمل مع ستة ملوك، فإنه بات يحيط بخصوصية القرار السعودي وكيف يُصاغ، لكن تألقه كمفكر ومستشار وحامل رسائل فيها التمنيات أحياناً والتنبيه في معظم الأحيان والنصيحة عند الحاجة القصوى لمن يحتاجها كان في ظل عبدالله بن عبدالعزيز).
التويجري مؤلفاً ومؤرخاً:
يتمتع التويجري بثقافة عريضة ويحتفظ بوثائق تاريخية ذات أهمية، ظلّ يجمعها عن تاريخ وملحمة البطل عبدالعزيز، الذي عشقه وأحبه، فاستولى على تفكيره واهتمامه، لكن ورغم ذلك، فقد تأخر ظهور التويجري مؤلفاً، إذ أصدر كتابه الأدبي الأول (في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء) بعد أن تجاوز الستين، وأصدر كتابه التاريخي الوثائقي الأول (لسراة الليل هتف الصباح) بعد أن شارف على الثمانين، وما بين الكتابين وبعدهما توالت المؤلفات، التي غلبَ عليها الطابع الأدبي والفلسفي والوجداني، والتي بلغت 15 مؤلفاً، تُزيّن المكتبة العربية، بأسلوب صاحبها ومنهجه المتميز الفريد.
وفي هذا الصدد، فإن مما سيحفظه التاريخ وستحمده الأجيال اللاحقة للشيخ التويجري، كتابيه الوثائقيين اللذين أصدرهما عن الملك عبدالعزيز، وما كان غريباً عليه مثل هذا العمل، وهو الذي عاش أجواء الملحمة التي صنعها عبدالعزيز وعايش أحداثها، منذ المعركة الفاصلة في تاريخنا الثقافي (السبلة) التي وقعت شمالاً من بلدته، وكان عمره وقتها سبعة أعوام، فكانت مسيرته الثقافية مسيرة عاشقٍ لبطل، واصل من خلالها متح رسائل ووثائق حملها بريده طيلة عقود، قلَّبها وتأمل فيها، وقف على إحداها متأملاً متذكراً وعلى أخرى مبتهجاً مسروراً، وعلى ثالثة فحمد الله على ما منّ به على هذه البلاد من نعمة الأمن والاستقرار، حينما أغاثها بالمليك المؤسس، رحمه الله.
ولأنه، حامل بريد، كما يقول عن نفسه، متواضعاً متجرداً من صفة الباحث المؤرخ المحقق، فقد رغب أن يحمل رسائله من تاريخ عبدالعزيز الكبير الواسع إلى جيل اليوم من الشُبان والشابات، وإذا كان التويجري قد طرح شيئاً مما ضمه بريده الوثائقي المهم في كتابه الرائد (لسراة الليل هتف الصباح) فقد وقف مع عبدالعزيز في ذلك الصباح المشرق حينما حمد القوم السُرى، بعد تلك المسيرة التي قادهم فيها عبدالعزيز، وهي مسيرة مظفرة ظفر فيها التاريخ وحمدت الأجيال اللاحقة تلك المسيرة وسراها وسراتها.
وطيلة رحلة التويجري لم يغب عن باله (عبدالعزيز) بل عطّر مجلسه بذكراه، وكثيراً ما أقلقه السؤال واستوقفه الحوار، يبحث ويحاور ويسأل وينقب ويُقلب في صفحات التاريخ والوثائق، لذلك لا عجب أن يضم بريده التاريخي رسائل متفردة متميزة، نشرُها يعد إضافة وثروة للباحثين.
وحينما يتساءل الكثير من المثقفين: لماذا لم يؤلف التويجري إلا بعدما تجاوز الستين، ولم يخرج وثائقه إلا بعدما اقترب من الثمانين؟ فإن الكاتب فؤاد مطر يُجيب على هذا التساؤل قائلاً: (إذا كان المواطن السعودي ومعه شقيقه العربي لم يعرفا الشيخ عبدالعزيز التويجري كاتباً وجدانياً تصدر الكلمة عن قلمه متألمة أحياناً من شدة أوجاع الماضي ومنغصات الحاضر التي تنذر بمرارات في طيات المستقبل غير البعيد، إلا بعد صدور كتاب (رسائل إلى ولدي) بجزئيه، فلأن الرجل بعيد عن الأضواء وعن حياة السهر وفي الوقت نفسه مستغرق في جمع ما يمكن جمعه من وثائق وأوراق ووقائع على ألسنة البعض عن سيرة الملك عبدالعزيز ومسيرته لكي تكون مادة كتابه عن السيرة والمسيرة التاريخية، لكن بعد صدور الكتاب الأول من السيرة وهو (لسراة الليل هتف الصباح) بدأ السعودي ومعه العربي يعرف من خلال مقابلات لوسائل إعلامية مع الرجل ما لم يعرفوه عنه وما هم تواقون إلى معرفته، ومما عرفوه أنه عاشق للعرضة النجدية والربابة وضد الفن الخليع وأنه يرتاح عندما يجد نفسه بين أصدقائه وأنه يحرص على أن يكون في مكتبه في الثامنة صباحاً وأن هاجس محو الأمية في المملكة لايفارقه).
ويضيف مطر قائلاً: (في تقديري أن الشيخ عبدالعزيز كان يرى أن المجالسة الفكرية تفي بالغرض وأنه مثل الظواهر التراثية يقول في مجلسه ما هو رأي أو واقعة أو تصحيح لافتراء تاريخي على أن يتحول إلى حديث بين الناس أو يعتمده أهل الكتاب من رواد المجلس كمادة في مؤلفات. ولعل الكاتب لطفي الخولي عندما شبه الشيخ التويجري بالشيخ رفاعة الطهطاوي كان يريد القول ما معناه أن التويجري (مبشر فكري) كما الطهطاوي).
أما عن التأخر في الظهور كمؤرخ وموثق لتاريخ سيده ومليكه، فُيرجع فؤاد مطر السبب إلى أن الشيخ أراد فيما يبدو تقديم نفسه إلى بني قومه وإلى أمة العرب كمؤلف تسبق عدة مؤلفات كتابه عن سيرة الملك عبدالعزيز، وبذلك لا يظهر على الناس أنه لم يؤلف من قبل وأن قدرته على التأليف تتعلق فقط بالملك عبدالعزيز مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا القائد المؤسس والموحد هو ملهم قلمه وشاحذ فكره في المؤلفات الأولى التي هي بمثل بشائر للكتاب الأهم بجزئيه حول سيرة الملك عبدالعزيز.
التويجري الإنسان:
عُرف عن الشيخ عبدالعزيز التويجري تواضعه الجمّ وإنسانيته المفرطة وحب للأصدقاء غامر، مع حسن أدب وثقافة شمولية، جعلتْ منه كل هذه الأشياء صديقاً مقرباً لأغلب المثقفين العرب باختلاف آرائهم وتوجهاتهم، أولئك الذين أنِسوا به وأنِسَ بهم، ناقشوه وناقشهم، راسلوه وراسلهم، تزاحمت مناكبهم في دارته وفي مكتبته في حي العليا بالرياض وأيضاً في منتجعه الفرنسي (ديفون)، وكثير منهم من قصده في قضاء حاجة أو شفاعة لدى هذا المسئول أو ذاك، مما ليس هنا مجال عرضه وذكره، ويُجمع الكثير من السعوديين والمثقفين العرب على ما يتمتع به الشيخ التويجري من حرص على قضاء حوائج الناس والعمل على إنهائها، ويروي فؤاد مطر عنه قوله: (المحسوبية ليست من المصلحة العامة وأما الواسطة فلا ضرر منها). وخلال رحلة التويجري التي تقترب من التسعين تزوّج عدة زيجات وأنجب عدة أبناء وبنات، يساهمون اليوم في خدمة المليك والوطن ويعملون جاهدين الحفاظ على (التويجرية) كمدرسة في علم الإدارة والأدب والتاريخ وفن التعامل مع الناس.
هذه محطات في سيرة التويجري ومسيرته، وهي ليست تاريخاً يُكتب لهذا الرجل، فالرجل يحتاج إلى كثير من (القراءة) و(البحث) لأن من خلاله نقرأ كبرياء مرحلة وتاريخ دولة، متعه الله بالصحة والعاف

الحوشية
11-12-2006, 03:08
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/17.jpg

الشيخ التويجري.. مؤرخاً
إبراهيم الناصر الحميدان

كلما وردت أسماء الرعيل الأول من الأدباء والمفكرين تذكر المواطنون مبدعاً مشهوراً هو الأستاذ الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري الذي أسس بتوجيه من مقام خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منتدى الجنادرية للثقافة والتراث الذي أصبح رمزاً لتأصيل الفكر السعودي ورمزاً لاسترجاع ما للتراث من أصالة ومكانة في الأدب السعودي الحديث.
وللشيخ التويجري تاريخ حافل في نطاق العمل؛ فهو الذي قاد حركة تطور قوات الحرس الوطني بتوجيه من خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز منذ تأسيس قوات الحرس الوطني التي انطلقت من فئة البادية فتدرج بها حتى ضاهت قوات الجيش النظامي من حيث التنظيم وتشكيل التدريب، فاستعمل أحدث الأجهزة ذات القدرة القتالية العظيمة في مختلف الوحدات.
على أنه رغم ضخامة المسؤولية الملقاة على عاتقه في متابعة تطوير الأنظمة والإشراف على تحديثها وما يتطلبه ذلك العمل من اجتماعات ونقاشات مع القيادات، فقد استطاع اقتطاع قليلاً من الوقت للمتابعة الثقافية في تكوين رؤية لما يحدث في العالم من تطورات فكرية والإسهام في العطاء الذاتي لما يجري ويستحق الإضافة عن طريق التأمل والتأليف.. وهذه الإضافة الثقافية من العطاء تدل على فكر ثاقب ورؤية متطورة تستجيب لما ينشده الفكر من تطوير لزيادة الاستيعاب والإسهام فيما يتعلق بالتحديث والاستزادة والإضافة ولا سيما ما يتعلق بالعمل الفكري والنظرة الفلسفية للواقع المعاش، وهي عطاءات ذات مفعول فكري ينشد التجذر في التراث الإنساني؛ ما يعني الإسهام الظامئ للبحث عن الانطباع الصريح.. وها هو أستاذ كبير هو الدكتور نجيب زكي محمود في مقدمة كتاب (حاطب ليل ضجر) يعطي هذا الانطباع قائلاً: لم أكد أقرأ من هذا الكتاب فاتحته حتى أحسست وكأني خطوت بقدمي في عالم مسحور يستضيء بضوء القمر الحالم الذي يشيع أمام البصر ما يشبه أن يكون أحلام الحالمين؛ إذ أحسست كأن الذي أمامي ليس كلمات مسودة وإنما هو ضروب من الحنين الخائف، ومن القلق المتارق ومن الطموح المتوئب أنها كلمات من قلب صادق يجسد تأثير القليل مما قرأ.
أما الدكتور حسن ظاظا فيكمل الجزء الثاني من هذا الكتاب النفيس (حاطب ليل ضجر) بمقدمة لا تقل انطباعا عما كتبه الدكتور زكي محمود قائلاً: لا أستطيع أن أقول إنني (أقمت) مع هذه الخواطر في مكان ما من آفاق النفس البشرية، لقد كانت تأخذني دائماً في رحلاتها المستمرة فأراني معها مصعداً مصوباً فيما لا يكاد ينتهي من دروب الفكر ومسالك الروح وشعاب الوجدان!. ويضيف: وعلى سماء الدجى نجوم أو رجوم، قد ترك عالم الضوء والماء والطين تحت قلم هذا الكاتب المقتدر، ليتجلى فيما وراء المادة الكثيفة الثقيلة روح نورانية شفافة تسبح في ملكوت الله تعالى اللانهائي. وأما نظرته للتاريخ فتتمثل في هذه البداية بكتاب (اجهدتني التساؤلات معك أيها التاريخ)، أيجوز، أيها التاريخ، لصعلوك من أدعياء الفكر أخذ التصعلك مع الأوراق رحلة من رحلات الوهم ظناً منه أنه يفكر أن يعترض طريقك التي تمشي عليها؟ إنه في هذه العبارات يضع نفسه في موقف المتأمل مما يجري في العالم من أحداث تواضعت أدواته الفكرية عن استيعابها، مواقف بما يصعب عليه فهمها لضخامة الإبحار في تفسيرها.
وفي مقدمة كتابه النفيس الآخر في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء يوضح نظرته للحياة من خلال تلك المقدمة قائلاً: لن يكون للإنسان تجربة إذا لم يقرأ التاريخ ويره وير عالمه ثم يحتضنه معه إلى تجربة أخرى في هذا العصر الذي أذن فيه الله للإنسان أن يغادر الأرض إلى الفضاء ثم يهبط على القمر ومنه يواصل رحلات مخبرية واستطلاعية إلى كواكب أخرى. أن هذه المقدمة تعكس تأثير تأملاته في الحياة وما استطاعه الإنسان من الاكتشافات.. لا ندري إلى أين تنتهي بنا هذه الخطوات العلمية الرائدة، يقف عليها مفكر بدوي عاش في قلب الصحراء حتى هضم تأثيراتها عليه وإن وقف حائراً متأملاً لا يدري إلى ما تنتهي إليه.
ومن مؤلفاته التي يعتز بها كل قارئ رسائل تبادلها الرجل مع ثلة من خيار القوم في أكثر من مؤلف في رسائل متبادلة بينه وبينهم عن خواطر صريحة بكلمات عذبة رغم أن شجيته تميل إلى التأمل والمكاشفة الوجدانية الصريحة، وهي خطوات قلما يقدم عليها الكتاب في العصر الحاضر.
من مؤلفاته القيمة كتاب (ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن)، وهو بحق سفر نفيس لا يستغني عن قراءته كل مثقف متابع للحركة الفكرية في بلادنا لما تضمنته من أفكار ورؤى حرية بالمناقشة حتى وان اختلفنا مع بعض معطياته إلا أنها تبقى اجتهادات لا غنى عن تأملها. ولعل رؤية الناشر لها أهمية، حيث ذكر فيها (من يشارك في مجلس الشيخ عبدالعزيز التويجري في الرياض أو خلال الزيارات الموسمية له إلى بريطانيا وفرنسا وسويسرا يتمنى لو أن الرجل الظاهرة يسجل ما يقوله على الورق كتاباً يقرؤه الناس على مختلف أجيالهم، ومن يقرأ كتاباً ألفه الشيخ عبدالعزيز يتطلع إلى كتاب آخر يؤلفه لما له من عمق في التأمل واستحضار دائم للتاريخ في زمن الكتابة عن أحوال الحاضر ووجع متواصل في الوجدان يلمسه قارئ كتاباته وبالذات من كانت نفسه متعبة وروحه مرهقة.
وعلى النحو الذي تتفجر فيه المياه فجأة من أرض في صحراء وتتحول هذه إلى واحة، فإن الشيخ عبدالعزيز تفجرت الرغبة في الكتابة عنده بعدما كان أمضى أكثر من نصف قرن في الوظيفة قريباً من ملوك الجزيرة العربية بدءاً من المغفور له الملك عبدالعزيز وشاهداً على المملكة العربية السعودية ومراحل انتقالها وتطورها. وخلال عقدين من الكتابة صدرت للشيخ عبدالعزيز سبعة مؤلفات ضمت القليل من الكثير الذي في خاطره وفي وجدانه، من هذا العطاء الزاخر نقتبس ما جاء في آخر كتاب تحت عنوان (ركب أدلج في ليل طال صباحه)، وهي تعكس ما يجول في خاطره؛ إذ قال: ليتني أعرف ماذا تركت ورائي وماذا لي عند الأيام من ذكريات، ليتني أعرف ماذا خبأت لي الحياة في ثنايا جيوبها، أمنيات جاءت إليّ متأخرة وهي ما أحاول أن أحملها على أكتاف الورق.. لعل شيئاً يستجيب لي ويقول: تساؤلاتك وأمنياتك هي خطاك ومسارك مع الأيام.
اشتملت هذه الكلمة على شهادات الذين قيّموا إنتاج المؤلف، وهي شهادات كانت في صالح المؤلف، ولكنها رسائل تبادلها مع بعض الأدباء هي بالتالي شهادة على مستوى العطاء وقيمتها الفكرية كونها صدرت من رجال لهم مكانتهم وقيمتهم في أكثر من قطر عربي.
وقبل أن أختم عن عطاء المؤلف مع رجالات الدولة وعلى رأسهم المغفور له الملك عبدالعزيز حيث عمل المؤلف في الديوان الملكي فترة من عمره عاصر خلالها رجالات الدول الذين خاضوا غمار السياسة في البلاد وخارجها.
فجاء كتاب لسراة الليل هتف الصباح في جزءيه (دراسة وثائقية) تخليداً لتلك المرحلة، وتواجهني في صدر كتابه الضخم بجزءيه هذه الحكمة التي يقول فيها: كثيراً ما مالت بي هواجسي ومعاناتي إلى العزلة، لكني أدركت أنه لا رفيق لي في عزلتي غير الجهل، والجهل هو مشكلتي مع نفسي لأني كلما قدرت أني اكتسبت شيئاً من المعرفة قالت لي الحياة ما أبعدك عنها.
وهذا الكتاب يحتاج إلى دراسة وسفر يحاكي المشقة التي واجهت مؤلفه في تأليفه.. ولسوء الحظ فلم أحظ بدراسة تحليلية تضاهي هذا الكتاب النفيس لينال مؤلفه ما يستحق من الإجلال والتقدير في الانكباب على هذا السفر؛ لأنه يمثل تاريخ مؤسس هذه البلاد وما عاناه من ظروف حتى انتهت إلى تذليل الخطوات في سبيل نشر العلم والمعرفة في البلاد وما تحققت له من انتصارات عظيمة جاءت نتيجتها ما أفاء الله به على هذه البلاد من نعمة اكتشاف الزيت الذي كان خطوة ايجابية في سبيل ما بذل وما تحقق من نجاحات ايجابية نسير على خطاها اليوم في تقدمنا.. والإصلاحات التي تحدث على يدي الملك المصلح خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز أطال الله عمره ورعاه ما هي إلا بعض الطموح الذي نتوخاه لبلادنا والسؤدد لخطواتنا القادمة إن شاء الله.
أنعم الله على مؤلفنا بالصحة والعافية وهو يعاني من اعتلال بالصحة؛ حتى ننتفع بعلمه الوافر وأدبه اللامع.. إنه مستجيب للدعاء إن شاء الله سبحانه وتعالى.

----------------------------------------------------------------------
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/16.jpg

أعظم خريج لمدرسة التجارب والحياة
عبد الله سلمان

تضاءل كل ما عرفتُه، سماعا أو قراءة، عن معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، في ساعات قليلة جلست فيها معه للحوار خلال لقاء لمجلة الإعلام والاتصال.
ففي تلك الساعات، وجدت نفسي أمام نوع مختلف من الرجال، التقيتهم عبر الرواية والتاريخ.. وفي أزمنة لم ينفذ منها إلينا سوى (قلة منهم).. هو لا شك أحدهم.
ممعن في التواضع الذي يرقى به إلى التقدير والاحترام.. حميم في لقائه، ودود في حديثه، أصيل في تجربته فطري في (فراسته) عميق في رؤيته.
وأجزم بأنني في حالة كهذه.. قد (أغضبت) شيخنا (البدوي الأصيل) خلال ذلك الحوار.. فهو لا يميل إلى هذا الوصف الذي يراه (إطراء) لا يحبذ سماعه فضلا عن (كتابته).
لكنني (أنصف) تلك الحقائق التي توالدت تباعا عنه.
وأنا أقلب معه صفحات من ماضي مؤسس هذه البلاد المغفور له - بإذن الله - الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود، الذي تناوله شيخنا في كتابه (لسراة الليل هتف الصباح) فإذا ما استوقفت شيخنا عند حاضر الأمة العربية، شدني إلى مستقبل من التفاؤل والبشر، متجاوزا الاستسلام (للحظة) و(للعابر) و(الطارئ) من الأحداث.
وعندما يتحدث عن نفسه يقول (إنني رجل بسيط، لم أذهب إلى مدرسة ولم أحصل على شهادة لكن مدرستي هي التجارب والحياة).
وعندما استطلع رؤيته للأمة العربية، يأبى الالتفات إلى (الشتات) ويرفض أن يترك للآخرين، المتربصين بنا فرصة (التشمت) بنا.. ويقول سيأتي اليوم الذي نحكي فيه عن الكثير من الفضائل في مستقبل هذه الأمة.
أما إذا كان الحديث عن الملك الراحل موحد هذه الأمة الملك عبد العزيز.. فإن الحديث يتواصل ولا ينقطع حتى تدنو من صورة واضحة المعالم والقسمات والتفاصيل للموحد الكبير الذي أخرج أمته من (عتمة) التاريخ، وأضاء في (المستحيل) و(الصعب) طريقا إلى الحياة والنور لأمته وبلاده.
اقرؤوا مع شيخنا معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري واحد من كتبه الثمينة والقيمة إنه (لسراة الليل هتف الصباح) لتعرفوا من هو هذا الشيخ.

الحوشية
11-12-2006, 03:12
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/20.jpg

التويجري والنثر الغنائي
رجاء النقاش

بدأ الدكتور طه حسين حياته الأدبية في أوائل القرن العشرين شاعراً، وهذا أمر قد لا يعرفه الكثيرون ممن يقرأون لطه حسين، ويهتمون بكتابته الأدبية والفكرية المختلفة، وقد ظل طه حسين يكتب الشعر وينشره في الصحف، حتى سافر سنة 1914 إلى أوروبا في رحلته الأولى التي لم تطل، واضطر أن يقطعها بسبب نشوب الحرب العالمية الأولى (1914 - 1918) ليعود إلى أوروبا بعد نهاية الحرب في رحلته الأساسية التي نال فيها الدكتوراه، وتعرف خلالها على زوجته السيدة (سوزان) التي صحبته بعد ذلك حتى نهاية حياته وأنجب منها ولديه (مؤنس) و (أمينة).
عندما ذهب طه حسين إلى أوروبا في رحلته الأولى توقف عن كتابة الشعر، واستمر هذا التوقف حتى وفاته سنة 1973م، وأشعار طه حسين التي لم يتم جمعها في ديوان كثيرة، ومعظمها منشور في جريدة (الجريدة) التي كان يصدرها أحمد لطفي السيد، وفي جريدة (مصر الفتاة) التي كان يصدرها عبدالعزيز جاويش، أما تاريخ هذه القصائد فيمتد بين سنتي 1908 و1914م، أي أن طه حسين قد كتب الشعر عندما كان في التاسعة عشرة من عمره وتوقف عندما كان في الخامسة والعشرين، وأشعار طه حسين موضوع طريف حيث يستحق دراسة خاصة، ولكن الذي يعنينا هنا هو أن عدداً من الباحثين يرون أن طه حسين بعد أن توقف عن الشعر ظل على الدوام يخفى في كتاباته روحاً شعرية عبرت عن نفسها في عدد من كتبه المعروفة مثل كتابه (على هامش السيرة) وكتابه (الأيام) وكتابه الصغير الطريف (جنة الحيوان) ففي هذه الكتب جميعا كان (نثر) طه حسين مليئاً بندى الشعر، ومليئا بتلك الموسيقى الداخلية العذبة التي نحسها في إيقاع ألفاظه وعباراته المختلفة، بل قد اكتشف بعض الباحثين أن في نثر طه حسين عبارات تحقق فيها (الوزن) الشعري بصورته الكاملة، وإن كان طه حسين قد كتبها في الشكل النثري المعروف، ومن ذلك ما جاء في مقال له بعنوان (ذو الجناحين) حيث يكتب هذه العبارة التي تمثل بيتا من الشعر الذي يتوفر فيه (الوزن) الكامل المستقيم:
أقبلت تسعى رويدا
مثلما يسعى النسيم
ولم تكن هذه العبارة وحدها هي العبارة الشعرية في المقال، فقد جاءت بعدها عبارات أخرى متلاحقة توفر لها الوزن الشعري، دون الاهتمام بالقافية، فقد كتب طه حسين بعد العبارة السابقة:
لا يمس الأرض وقع خطاها
فهي كالروح سرى في الفضاء
وهبت للروض بعض شذاها
فجزاها بثناء جميل
ومضى ينفث منه عبيرا
مستثيرا كامنات الشجون
فإذا الجدول نشوان يبدى
من هواه ماطواه الزمان
ردت الذكرى عليه أساه
ودعا الشوق إليه الحنين
ونجد هذه الظاهرة نفسها في كتاب طه حسين (جنة الحيوان) حيث يقول في أحد الفصول:
من أين أقبلت يا ابنتي
من حيث لا تبلغ الظنون
ماذا تريدين يا ابنتي؟
أريد ما لا تقدرون
وينظر الشيخ حوله
فلا يرى من يحاوره
وينكر الشيخ نفسه
ولا شكوك تساوره
فقد رأى شخصها الجميل
تظله هذه الغصون
ولم يزل صوتها الضئيل
يثير في نفسه الشجون
وكانت الشمس قد تولت
كالأمل الخائب الكذوب
وظلمة الليل قد أطلت
كاليأس إذ يغمر القلوب
ويمكن التعرف على المزيد من المعلومات حول ظاهرة (الشعر) في نثر طه حسين بالرجوع إلى مجلة (الرسالة) في مجلدها التاسع عشر والصادرة سنة 1951م حيث تناول هذه الظاهرة عدد من الباحثين من بينهم (إبراهيم نجا) و (محمد سلامة مصطفى) و (حسن الجوهري) وغيرهم.
الذي يعنيني من هذه الظاهرة هنا، هو أن النثر العربي الحديث قد عرف ما يمكن أن نسميه باسم (النثر الغنائي) وهو النثر الذي ينبت كالأزهار في تربة شعرية كاملة، وإن لم يتقيد بقواعد الفن الشعر الصارمة، وهذا النثر الغنائي ينطلق في التعبير عن النفس والمشاعر الإنسانية المختلفة محتفظاً بروح الشعر دون الحرص على مظاهره الخارجية، ومن بين أعلام مدرسة (النثر الغنائي) هذه تظهر أمامنا شخصية الشيخ عبدالعزيز التويجري في معظم كتاباته ومنها:
(في أثر المتنبي) و (منازل الأحلام الجميلة)، و(حتى لا يصيبنا الدوار) و (حاطب ليل ضجر) ثم في كتابه التاريخي عن الملك عبدالعزيز، فالتويجري المؤرخ بقي شاعرا وهو يستعرض أحداث التاريخ الكبيرة ويضعها في ميزان حساس من التحاليل والدقة العلمية.
الشيخ عبدالعزيز التويجري شاعر في نثره كله، وإن كان قد تحرر من مظاهر الشعر الخارجية وأبقى في كتابته على جوهر الروح الشعرية العذبة المليئة بالموسيقى الداخلية، ولست أدرى إن كان عبدالعزيز التويجري قد كتب الشعر في بداية حياته، أن أنه لم يكتب الشعر على الإطلاق ولكن الذي لا شك فيه أن كتابته لا تخرج عن هذا الفن الجميل الذي أحب أن أسميه باسم (النثر الغنائي) الذي هو شيء آخر غير النثر العادي وغير الشعر المعروف بقواعده القديمة أو الحديثة.
ومنذ الصفحات الأولى في أي كتاب للتويجري نحس على الفور بتلك النشوة التي يثيرها الفن في النفس، ونحن نحس بهذه النشوة حتى قبل أن نتعرف على الأفكار التي يعبر عنها التويجري ويعرضها أمامنا ويتناولها بالبحث والتحليل ويتخذ منها موقفا خاصا مستقلاً، ومصدر هذه النشوة التي نحس بها مع كتابات التويجري هو هذه الروح الغنائية التي تسيطر على ألفاظه وعبارته وصوره المختلفة، وهي روح غنائية سهلة منطلقة بعيدة كل البعد عن الافتعال والتصنع مما يجعلها قريبة إلى النفس، قادرة على تحريك المشاعر الإنسانية وخلق عالم كامل من المشاركة الوجدانية الصادقة بين الكلمة المكتوبة والقلب الذي يقرأها.. فلا يمكن قراءة التويجري إلا بالقلب الصافي المتفتح لجمال الفن والحياة.
لقد عاش عبدالعزيز التويجري حياته الأولى في الصحراء، وأتم تربيته الأساسية حتى بداية سن النضج في هذه الصحراء وهذه التربية الصحراوية الأولى هي الجامعة الكبرى التي تخرج منها التويجري، وعندما انطلق هذا الكاتب المبدع الفنان بعد ذلك إلى التجارب الواسعة في العالم العربي وعواصم الدنيا المختلفة، لم يجد - لقوة أصالته - ما يدعوه للخجل من (صحراويته) الأولى، فهو ليس شخصية ضعيفة تنسى جذورها وأصولها عند أول صدام مع الحضارة الحديثة، ولذلك فقد وجد من الشجاعة الروحية ما جعله يتمسك - في غير تعصب أو تشنج- بشخصيته الأساسية، دون أن يغلق عقله وقلبه عن رياح التجديد والتقدم في حياة الإنسان، كل ما هنالك أنه كان يميز على الدوام بين ما هو أصيل وإيجابي، وبين ما هو شكلي وزائف، ولذلك فقد جاءت كتابته كلها تعبيرا صادقا عن الأصالة التي تحافظ على ذاتها وكبريائها التي لا تغلق بابها في وجه كل ما هو جديد وجوهري في حركة الحياة، فالأصالة عند التويجري ليس معناها أن نبني لأنفسنا قلعة نتحصن فيها ضد التطور بل معناها أن نتقبل التطور دون أن نتنازل عن شخصيتنا الحضارية الأصيلة، وخاصة إذا ما عرفنا الجوانب الإيجابية الصحيحة في هذه الشخصية واستبعدنا منها ما لا ينفع أو يفيد، أو ما يدفعنا إلى الضلال في مسالك الحياة.
وهذه الأصالة الصحراوية عند عبدالعزيز التويجري هي منبع عميق من منابع (النثر الغنائي) فالتويجري مشدود بمشاعره دائماً إلى ذلك العالم القديم الذي نشأ فيه يحس نحوه بالشوق والحنين،
ويحمل في قلبه عشقاً كبيراً لما كان يمتلئ به هذا العالم من بساطة ووضوح ونقاء، وما كان يمنحه للإنسان من صحة روحية وجسدية، وما كان يوفره من هواء نقي ومساحات شاسعة يتحرك فيها الناس بغير زحام أو ضوضاء، وما كان يتوفر في هذا العالم من وحدة بين الإنسان وكائنات الله الأخرى من أشجار ونباتات وخيل وجمال وطيور وغزلان، وكل هذه العصور التي انطبعت في نفس التويجري من حياته الأولى كانت عزيزة عليه، فتسللت إلى كتاباته في يسر وسهولة، ومنحتها الكثير من روح الشعر والغناء.
لو كان عبدالعزيز التويجري من هؤلاء الذين يخجلون من حياتهم الأولى ويرفضونها ويحسون بأنها عبء ينبغي أن يتخلصوا منه، لأصبحت كتاباته خالية من هذا الحنين العجيب الذي تمتلئ به، وأصبحت باردة وجافة وتحولت إلى نوع من الفكر المجرد الذي لا تجري في عروقه دماء الحياة. ولقد كان هذا الحنين إلى الماضي والإخلاص له والاعتزاز النفسي به هو الذي أعطى لكتابات طه حسين ما فيها من شاعرية وغنائية فطه حسين لم ينس أبدا أنه نشأ في الصعيد بكل ما فيه من جمال وخيالات، وبكل ما فيه من عذاب وآلام، ولم ينس طه حسين أبداً حياته الأولى في الأزهر، حيث ربطته هذه الحياة بتراثه وأصالته، وعندما ذهب إلى باريس واندمج في حضارة العصر الحديث وثقافته، لم يفقد حنينه إلى ماضيه ولم يقطع تلك الخيوط الإنسانية السحرية التي تربطه بهذا الماضي، فأمده ذلك كله بفيض من الشعر والغناء في كتابته النثرية التي كتبها بعد عودته من باريس مثل (الأيام) و (دعاء الكروان) و (شجرة البؤس) وغيرها من الأعمال المختلفة.
والموقف عند التويجري وطه حسين متشابه، وإن اختلفت الأفكار وطريقة التعبير، ولكن المنبع الأساسي واحد وهو الاعتزاز بأصالة الإنسان وجذوره وعدم الهروب من ماضيه ومعاملة هذا الماضي بمحبة وحنان وشجاعة روحية لا تخشى من مواجهة العالم بشخصية الإنسان الحقيقية وغير المفتعلة.
يكتب عبدالعزيز التويجري صورا من حياته وتجربته الإنسانية في كتابه (حطب ليل ضجر) ويقول في إهداء الكتاب:
إلى حمامة الدوح
إلى واردة الغدير
إلى ظبية الفلاة
إلى ربة بيت الشعر
إلى قيس وليلاه، وجميل وبثيناه
إلى ذكرياتي عن الجمل والحصان والخمية والوادي
إلى قارئ لم يركب الجمل والحصان ولم يرد الغدير..
أهدي هذه الخطرات الظامئة إلى الحقيقة.. والخائفة على جناح العقاب العربي أن ينكسر في يلحق بمنازله في قمم الجبال.. مع من لحق.. وفي هذه العبارات التي يكتبها التويجري نجد الصور كلها مستمدة من حياة الصحراء وتاريخها الوجداني، فالحمامة والظبية والجمل والحصان والخيمة والوادي وقيس وجميل وليلى وبثينة.. كل هذه الصور والأسماء هي جزء من اللوحة الحية للصحراء، وجزء من الذاكرة الوجدانية لهذه الصحراء يرسمها التويجري بسهولة وسلاسة وتتابع وينتقل من هذه الصور إلى الهم الرئيسي الذي يشغله ويملأ عقله ووجدانه والذي يلخصه في خوفه على (العقاب العربي) أي النسر العربي أن ينكسر جناحه فلا يلحق بمنازله في قمم الجبال مع من لحق.. فالهاجس الكبير عند التويجري هو المستقبل العربي ومصير الإنسان في هذا الوطن وهو ليس هاجسا سهلا أو عابرا بل هو حلم حي عميق يعيش في وجدان رجل يعرف قيمة أهله ووطنه وحضارته الأصيلة، ويعرف قدرة الإنسان العربي الرائعة على الإنجاز في مراحل التاريخ المختلفة، وقد تعرض هذا الإنسان للإحباط وتجمعت ضده خلال ما يزيد على خمسة قرون متوالية عداوات مدمرة أرادات أن تقضي عليه وتحرمه من كل قدراته على الفعل والتأثير والدفاع عن نفسه والإضافة التي هو قادر عليها إلى تاريخ الإنسان وتراثه.. إن هذا الهاجس عند التويجري حول الإنسان العربي والحضارة العربية هو نفسه مصدر من مصادر الغنائية في نثره، فأصحاب الهموم الكبيرة لا يستطيعون أن يقفوا موقف المتفرجين المحايدين الذين يبحثون عن سلامة أنفسهم بعيداً عن العواصف والنيران المشتعلة والخوف الذي يشعر به التويجري ليس خوفا على ذاته الخاصة، بل هو خوف على ذاته الحضارية وهو لون من الخوف عظيم ونبيل لأنه خوف الذي يؤمن بضرورة الخلاص من التخلف وضرورة النهوض والتقدم والدخول في سباق الحياة العصرية الحديثة والانتصار في هذا السباق.
إن التويجري يقدم لنا في كتاباته نموذجا حيا للنثر الغنائي الذي ينبع من الأصالة العربية الحقيقية والحنين الدائم إليها، وإلى ما فيها من صور وخبرات ونضارة وبساطة ووضوح، وهي في نفس الوقت أصالة متطلعة إلى الحركة والحياة، ولا ترضى أبدا بالتوقف والجمود، ولا تعترف بالمسافة القائمة الآن بين الإنسان العربي والعصر الحالي الذي يعيش فيه بعد أن دفعته عوامل متعددة إلى أن يبتعد عن الصوف الأمامية، وبتخلف عن المشاركة الفعالة المؤثرة في تحديد مصير الإنسان على هذه الأرض.
وبالإمكان أن نأخذ أي صفحة من كتابات التويجري فترى فيها هذه الخصائص واضحة بينة، وهي خصائص نلخصها جميعا في عبارة (النثر الغنائي) أي النثر المشحون بالعاطفة والإحساس الحاد بالناس والأشياء والمواقف فالألفاظ هنا نقية ناصعة، والعبارات حية نابضة، والإيقاع مسموع بالإذن والقلب معا، والاتصال بالينابيع الأولى للروح العربية يملأ الكلمات والعبارات والصفحات المختلفة، والإنسان يقرأ هذه الكتابات كلها ومشاعره ترتفع معها إلى درجة عالية من الحرارة والحيوية، لأنها كتابة لا تهدف إلى الإقناع العقلي فقط وإنما تسعى إلى خلق الحاجة الروحية الأصيلة إلى التحرك والنمو والمعرفة وكسر القيود التي تعوق الأمة العربية عن ملاحقة العصر والحياة في مستواها الحضاري الجديد. ولم يكن بالإمكان أن يكون لهذا النثر الغنائي عند التويجري أثره الحي الفعال لولا أنه يعبر تعبيراً صادقاً عن مجموعة من المشاغل الحضارية الحقيقية التي نفضل أن نسميها باسم (الهموم) فهذا هو اسمها الصحيح، ولولا هذه الهموم لأصبح النثر الغنائي عند التويجري إنجازا جمالياً خالصاً، ومهما كان الجمال رائعاً، فهو في آخر الأمر جمال شكلي إذا كان بغير وظيفة كبيرة، وإذا عجز عن أن تكون له رسالة أوسع وأشمل، والحق أن التويجري في نثره الغنائي يحمل الكثير من الهموم الحقيقية العظيمة فهو ليس مجرد أديب صاحب موهبة عالية، وصاحب أسلوب فاتن غني بالموسيقى التي تطرب لها الأذواق والأرواح، ولكنه بالإضافة إلى ذلك مفكر كبير ومؤرخ له قامة عالية، وهو صاحب رسالة حضارية نبيلة هدفها بناء مستقبل يليق بالأمة العربية التي كان لها شأنها في يوم من الأيام بل لقد كانت سيدة الأمم جميعاً. وعند التويجري أن عناصر النهوض العربي كامنة فينا، وعلينا أن نضع أيدينا من جديد على هذه العناصر، وأن نتقدم

الحوشية
11-12-2006, 05:13
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/18.jpg

سفينة الصحراء المبحرة بهموم الأمة
عبدالعزيز العبدالله التويجري

كنت قبل خمسين عاماً طالباً بالمعهد العلمي في بريدة وبالتحديد عام 1376هـ وكانت توجهاتي أدبية، وتطلعاتي إعلامية، وعلاقاتي ثقافية، أحب الكلمة الصريحة والرأي الشجاع، والفكرة الجيدة، ويومها فتحت أول مدرسة ثانوية ببريدة - وكان ذلك مدعاة للفرح والفخر بالمولود الجديد، والصرح العلمي المنتظر، وبتلك المناسبة أقامت إدارة المدرسة حفلاً مدرسياً كبيراً لم تشهد له المنطقة مثيلاً، وكان من أبرز المدعوين للحفل من خارج المنطقة (الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري) الذي شارك الاحتفال بكلمة ارتجالية رائعة، أذكر فيما أذكر أنها كانت تقاطع بكثير من التصفيق والهتاف إعجاباً بسحر الأداء، وجمال الأسلوب، وروعة الأفكار، وصدق الرؤية، التي لامست مشاعر الشباب وطموحاته الكبيرة، هذه المناسبة كان لها تأثير كبير بين الحاضرين الذين أحاطوه بعد الكلمة.. بالكثير من الحب والتقدير.. والكثير من الإعجاب والاحترام، وأبدوا كثيرا من التساؤلات عن هذا الزائر المشارك، الذي أمطر الحفل والحاضرين بسيل منهمر من النصح والتوجيه والإرشاد.. الذي اعتبروه بداية الانطلاق نحو العلم والمعرفة مع انطلاق مدرستهم الفتية.. في مسيرة التربية والتعليم ومن هذا المحفل التربوي الرائع، عرفت هذا العالم الفاضل الأديب المفكر الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، ومن هذا المنطلق بدأت الروابط والعلاقات والأسئلة الروحية تتساءل عنه، كمعلم، ومفكر، وأديب من (المجمعة) شاركنا حفلنا العلمي في (بريدة) ولم تكن في يوم من الأيام تلك المعرفة، عن طريق صلة القرابة الأسرية التي تجمعني بهذا العلم الشامخ من الثقافة والأدب، وفي الفكر والتنوير حتى تحولت فيما بعد إلى (أبوة) وأستاذية على بعد، إلى أن تم تعيينه وكيلاً للحرس الوطني عام 1381هـ وكنت قد سبقت إلى العمل فيه ويا بشراي بتلك المصادفة العجيبية.. التي مكنتني من العمل تحت إدارته والأخذ منه أكثر وأكثر علما، وفكراً وأدبا عن قرب لم أكن أحلم به بحيث قويت الروابط، وتعمقت الأبوة، وتأصلت الأستاذية إلى أن أصبح في نظري، كما هي نظرات الآخرين في الأسرة.. هو المعلم، وهو العم، وهو الوالد، وهو العميد والعمدة.. أطال الله في عمره، ومنّ عليه بالصحة والعافية، إنه سميع مجيب.
وفي تلك المناسبة السعيدة، التي أشكر فيها (الجزيرة الثقافية) على هذا العمل الكبير.. وعلى تلك المبادرة الكريمة، بتخصيص هذا العدد، عن هذا المفكر الأديب، رجل الدين والدولة (العم عبدالعزيز) لا يسعني إلا أن أفسح المجال للآخرين للحديث عنه، وعن آثاره الفكرية والأدبية.. وعن أعماله ومنجزاته الإدارية.. خشية الإحراج من البعض.. أو الطعن بالشهادة من البعض الآخر.. لأنصرف إلى شحن الذاكرة بالملامح والشواهد الصغيرة.. عما سمعت، وقرأت، وأخذت من الآخرين وما أكثرهم.. ولكن حسبما تجود به الذاكرة؛ طمعاً في الوفاء، وأداءً للأستاذية والأبوة الروحية التي أمتعنا وشملنا بخائصها الوافرة. ولعلي أبدأ تلك الشواهد، بحوار جري بيني.. وبين الزميل، والصديق العزيز الأديب الناقد المشاغب والمشاكس الأستاذ علي بن محمد العمير أعاد الله إليه صحته وعافيته لمواصلة شغبه ومشاكساته.. مع الأدباء الكبار والصغار منهم.. فقد زرته يوماً في منزله بجدة.. للاطمئنان على صحته.. بعد وعكة صحية ألمت به ودار الحوار والمناقشات في أمور كثيرة.. كما هي عادته مع ضيوفه.. وكما هي عادته في حل هموم الأدب والأدباء.. والصحفيين والمؤلفين وكان من أبرز تلك الحوارات.. ما يكتب.. وينشر.. ويطبع للشيخ (عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري).. وموقعة الحوار المشاكس الذي وقع فيه مع الشيخ التويجري قال لي العمير:
(بعد إحدى مشاغباتي الأدبية دعاني لزيارته في بيته لإهدائي مجموعة المطبوعات التي نشرها وعند زيارته استقبلني بكل ترحيب وبكل بشاشة وحسن خلق.. وبعد تناول القهوة العربية، والحوارات المتناثرة.. قدم لي المجموعة.. وأحضر معها قلما وقرطاساً أبيض وطلب مني أن أكتب.. وهو يملي علي.. فوافقت بشيء من الخجل.. ووجهي يتصبب عرقاً.. وقلت في نفسي (يا ساتر) ها هو الشيخ بدأ في كشف شكوكي ومزاعمي حول مؤلفاته. وفعلاً بدأ يملي وأنا أكتب حتى أتم الإملاء بصفحتين كبيرتين لم يتوقف لحظة واحدة خلالها ثم ابتسم وقال: هذه فكرة أوحت بها إلي زيارتكم الكريمة راجيا أن تتقبلها للنشر.. وكأنما هو يقول لي شيئاً آخر (؟؟؟)) وانطلق الأستاذ علي يتحدث عن أدب الرجل، وتواضعه وسماحة خلقه، وأدبه الجم، وفكره الثاقب وطريقته في الحوار، وأسلوبه في وسائل الإقناع.. والأخذ والعطاء مع الآخرين.
هذا في مجال الروايات الشفوية عن (العم عبدالعزيز) ونترك هذه الرواية اللطيفة إلى بعض ما قرأت عن هذا المفكر الكبير والأديب الرائع، والإداري الناجح، فقد كتب الأستاذ سعد البواردي في العدد (11519) من صحيفة (الجزيرة) الغراء الصادر يوم 22-2-1425هـ يقول: (لن أتحدث عن الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري كرجل دولة، وحامل مسؤولية ناجح.. وإنما تحدث عنه كاتبا ومفكرا، دون رياء ولا تملق لقد قرأته في خطابات تأملاته الحياتية، والفلسفية من خلال مؤلفاته ومعطياته الأدبية، وخرجت من تلك القراءة بمحصلة تقول وتتساءل: لماذا لم يكرم؟) ثم يضيف: (صحيح أن الكاتب يكرمه قلمه حين يجيد، وضميره حين يجد، وعطاؤه حين يتحرى، وقراؤه حين يؤمنون بمصداقية طرحه، ولكن رغم أن شيخنا التويجري لن يضيف إليه التكريم شيئاً ولن ينقص منه شيئاً فهو ذا على المكانة الاجتماعية والوظيفية والمادية.. ولكن يظل الجانب الروحي هو الأبقى، والأهم والأكثر مدعاة للاهتمام).
وكتب المهندس عبدالعزيز السحيباني في العدد (12308) من صحيفة (الجزيرة) أيضا الصادر يوم 14-5-1427هـ يقول: (هذا عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري) هذا الرجل المتجذر في صحراء هذا الوطن.. المطبوع في مدنه وقراه.. هذا العلم الذي عرفته رمال الدهناء، وكثبان الربع الخالي، وجال وهاد طويق، ورياض المجمعة، عرف البوادي، والقفار و السهول والديار.. خلف حبيبه المتنبي.. رجل يبدو كنخلة شامخة معطاء في حديقة الأدب والفكر والقول والعمل. علمنا كيف أن أضواء المدينة تكسر وحشة الصحراء، وهذا الذي علمنا أن الأدب لا يتعارض مع الإدارة، إنه أديب في الصحراء إداري ناجح في المدينة ولأنني أحمل هذه الرؤية بل وما هو أكثر منها عن هذا الشيخ الجليل، والمفكر الكبير إلا أن (البنوة) وصلة (القرابة) كانتا تمنعاني من البوح بذلك.. تجاه هذه الشخصية الساحرة الجذابة، أما اليوم فإنني لا أجدني في حرج من إعلان رؤيتي فلفكر هذه الشخصية العبقرية مكانة كبيرة وتقدير كبير.. بين كبار الأدباء والمفكرين السعوديين والعرب، والأجانب؛ للأنه مقروء كتابا، ومسموع خطابا، ومؤثر في عالم الأدب والفكر العربي بصورة واسعة كما يشهد له بذلك كبار النقاد والدارسين ومن رجالات الدولة البارزين الذين يحتلون المقاعد المتقدمة، والأماكن البارزة.. في نفوس ولاة الأمر وقادة هذه الأمة، أما ميزة التواضع، وحسن الخلق، ونكران الذات،
فتلك فطرة فطره الله عليها، وأما إنسانيته فهي بذرة إلهية زرعها الله في قلبه وفكره، وسقاها هو بنفسه من خلال حبه للناس، وحب الناس له.
فباب بيته المفتوح ويده الممدودة لكل من يطلب العون والمساعدة بعيداً عن الأضواء وبعيداً عن المماحكات الكلامية التي هي في نظره كما أعرف، بثور وقشور.. تضر أكثر مما تنفع، وتلوث أكثر مما تنقي، وتلك رؤية الثقة بالنفس، والإيمان بالله، والاطمئنان إلى العمل والعطاء والإنتاج الفكري والعملي الذي قدمه ويقدمه لأمته بتواضع جم، وإخلاص وولاء كامل لدينه، ومليكه، ووطنه.. وللثقافة العربية، والفكر العربي بصفة عامة.. وأستطيع أن أقول أيضا بما أعرف عنه من الصبر والحلم، والتحمل، أنه سفينة الصحراء المبحرة بهموم الأمة وتطلعاتها إلى المكانة المرموقة.. بين الأمم والشعوب في العالم والله أسأل أن يحفظه ويعيد إليه صحته وعافيته، إنه سميع مجيب

الحوشية
11-12-2006, 05:16
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/19.jpg

معالي الشيخ (عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري) من الأدباء والمفكرين العصاميين المعاصرين.. ومنذ فجر صباه ورجولته المبكرة عكف في بلدته الفيحاء (المجمعة) قارئاً ودارساً على نفسه وأمهات الكتب والمراجع العلمية والتاريخية والأدبية.
وكانت قراءته فيما يبدو تأملية استيعابية بذهن متفتح، وعقل رصين.. وهمة طموحة.. وبعد انتقاله إلى العاصمة (الرياض) واحتكاكه بالعلماء والأدباء من داخل المملكة وخارجها.. نضجت الموهبة الإبداعية لديه في الكتابة والتأليف ساعده عليهما رصيد ضخم من ثقافة الاطلاع ومخزون الاستيعاب فأبرز للساحة الثقافية عدداً من الكتب الدسمة التي استقبلها المثقفون السعوديون والعرب بالإعجاب سواءً ما كان منها عن صقر الجزيرة الملك (عبد العزيز) أو الشاعر (المتنبي).. أو في الفلسفة والخواطر المجنحة.. وكنت وما زلت واحداً من أولئك الذين حرصوا على اقتناء ما كتب.. وقد أهداني مشكوراً واحداً منها بعبارات لطيفة أملاها على صديقي الأستاذ (عبد المحسن بن محمد التويجري).. وأسعدتني مناسبات (المهرجان الوطني للثقافة والتراث) ضمن ضيوف المهرجان لمقابلته والاستماع إلى أحاديثه وخواطره الشيِّقة فصدق الخُبر الخبر.
ولذا لم يكن مستغرباً أن تُؤلّف عنه الرسائل العلمية وأن يصبح أحد الرموز الفكرية في بلادنا الغالية. اقتصرت هنا على الجانب الإبداعي الأدبي للرجل، أما مكانته الرسمية والاجتماعية وأثره في الخدمة العامة فإنها تحتاج لمساحات أوسع من الحديث، وهو جدير بالحفاوة والتقدير من محبيه وعارفي فضله لتسجيل مآثره وتوثيق جهوده وهي أكثر من أن تحصى.. جمع الله له بين الأجر والعافية

http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/22.jpg

تتجاوزنا الشهور والسنون، بسرعة خاطفة وبهدوء عجيب نحو المستقبل المجهول، الذي يحمل في طياته الكثير من المفاجآت والمواقف التي يحاول (المنجمون) التنبؤ به ومعرفة ما فيه من أسرار، وعلى الضفة المقابلة يقف التاريخ بكل شخوصه، يروي الكثير من الأحداث العظيمة والمؤثرة، التي كانت في أحد الأيام صفحة من صفحات (المستقبل) الغامض وكان الكل يتحرق شوقاً لمعرفة ما يخبئ لنا سواء أكان ذلك خيراً أم شرا، والكل يتسابق لغرس الأعلام (أعلام الخير) التي تزداد مع مرور الزمن روعةً وجمالاً وبهاءً، إذا كان العلم الواحد قد يعمل من أجله المرء سنين طويلة وعقودا متوالية، فكيف بمن يخلف وراءه العديد والعديد من الأعلام (أعلام الخير مما فعله المرء في دنياه من الخير للناس علماً وعملاً) قد يكون ذلك مستحيلاً لكنه قد يكون ممكناً عند بعض الرجال الذين يقف لهم التاريخ احتراماً وتقديراً، لقاء ما عملوه من بر يعطر ذكرهم في الدنيا ويقيهم في الآخرة.
المروءة.. الشهامة.. النخوة.. الشرف.. الثقافة.. العلم.. هذه المعاني بالإضافة إلى غيرها من المعاني السامية النبيلة تكون شخصية عبدالعزيزبن عبدالمحسن التويجري، بل هي مرادفة لتلك الشخصية.
ومع الأعمال المهمة والحساسة التي كلف بها الشيخ عبدالعزيز، إلا أنها لم تشغله عن مسيرة العلم والفكر والأدب، فعقليته الإدارية الناجحة كانت تميل بشكل كبير إلى العلم والثقافة، فإلى جانب أعماله المتوالية لتطوير الحرس الوطني إداريا وهيكلته بشكل حديث بحيث يواكب جميع القطاعات الأخرى بل ويتجاوزها، لم يغفل الجانب الثقافي والفكري فكرس نفسه للعمل على تطوير الجانب الثقافي في الحرس الوطني والنهوض به ومن ذلك رئاسته هيئة الإشراف على مجلة الحرس الوطني، ما جعل المجلة تزخر بعدد من الأسماء اللامعة في الأدب، لتكون في مصاف المجلات الدورية الثقافية المتخصصة. ومن ذلك اهتمامه بالمهرجان الوطني للتراث والثقافة (الجنادرية)، حيث يشغل منصب رئيس اللجنة العليا للمهرجان، الذي يستضيف في كل عام العديد من الشخصيات العالمية الغربية والعربية، وذلك للمشاركة ولزيارة هذا المهرجان (المخضرم) الذي يجمع بين الثقافة والتراث ويجعلهما في إناء واحد، ولا أدل على نجاح هذا المهرجان الثقافي من كثرة الزوار الذين يتوافدون عليه من كل أنحاء العالم.
لم يكن اهتمام الشيخ عبدالعزيز التويجري ينحصر في التطوير العلمي والأدبي والثقافي داخل كيان الحرس الوطني فحسب بل تجاوزه إلى خارج هذا النطاق ومن ذلك كرسي الزمالة باسم الشيخ عبدالعزيز التويجري بجامعة (هارفارد) بالولايات المتحدة الأمريكية، فهو يوفر المنح الدراسية للطلاب المتفوقين من كافة أنحاء العالم وخاصة طلاب العالم العربي والإسلامي.
وخلال مسيرته العلمية والعملية حصل على العديد من الأوسمة التقديرية في الداخل والخارج، منها شهادة التقدير من جامعة (جورجيا) الحكومية بالولايات المتحدة الأمريكية كإحدى الشخصيات المشاركة بالدراسة المتعلقة بصانعي القرار الاستراتيجي، ومن ذلك إنشاء قاعة الشيخ عبدالعزيز التويجري بمركز الأبحاث والكبد بجامعة لندن.
لم تكن مشاغل الحياة وهمومها لتقف في يوم من الأيام في وجه الثقافة والأدب، التي أولاها الشيخ عبدالعزيز جزءًا ليس باليسير من وقته (في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء)،(حاطب ليل ضجر)، (خاطرات أرقني سراها)، (لسراة الليل هتف الصباح )، (ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن)، (رسائل خفت عليها الضياع)،(ركب أدلج في ليل طال صباحه)، هذه الإصدرات مع غيرها تقف لتكشف لنا عن الجانب الإبداعي الأدبي بالإضافة إلى أعماله الأخرى التاريخية، فهو إلى جانب الاهتمام والحب الكبير الذي يوليه للأدب والأدباء، كان أديباً عالماً عارفاً بكل ما يتعلق بها من الأمور الفنية والمهنية، ولعل من يطلع على هذه الإصدارات المتنوعة ليدرك مدى الحس الإبداعي الذي يتمتع به الشيخ التويجري.
مهما عبرت من الكلمات وصغت من المعاني فلن أستطيع أن أوفي تلك الشخصية المتميزة الرائدة حقها... عجباً من رأس حمل العلم والأدب والإدارة ومكارم الأخلاق؛ لا عجب فالشيخ عبدالعزيز التويجري خريج مدرسة الملك عبدالله بن عبد العزيز - حفظه الله -.

الحوشية
11-12-2006, 05:17
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/21.jpg

عملاق الأدب والثقافة في العصر الحديث
عبد اللطيف الأرناؤوط

تُعَد الكتابة النثرية للكاتب السعودي البارز الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري ظاهرة أدبية متميّزة جديرة بالدراسة لسببين:
الأول أنّ نثره أحيا أساليب الكتابة النثرية الرفيعة التي تلقّت مبادئها جيل الكتّاب المعاصرين في مطلع عصر النهضة، بعدما تحوّلت الكتابة بتأثير وسائل الإعلام إلى التعبير عن أغراض نفعية دون احتفاء بجمال التعبير، وبعدما استقلت الفنون النثرية وأصبح لكلّ منها أصوله الكتابية المتميزة، فضعفت الأساليب الأدبية وقلّ الاهتمام بالخاطرة والمقالة الذاتية الإبداعية، حتى أصبحت وقفاً على عدد محدود من الكتّاب.
أمّا السبب الثاني فإنّ ظهور كاتب بارز يحدد أساليب النثر في المملكة العربية السعودية أمرٌ له أبعاده في تاريخ الانطلاقة الأدبية، فقبل التويجري لم تعرف الجزيرة العربية ناثراً مبدعاً قدّم على الساحة عدداً من الكتب الممتعة بمضامينها، متألِّقة الأسلوب في نمط من التأليف المبدع الذي يصنّف في باب الكتابة الذاتية التي تتطلّب تمكُّناً وإبداعاً واهتماماً بأسرارها، مثلما تحتاج إلى عمق في الفكر وخيال متألِّق يرتقي لها إلى مستوى الفن.
يُعد التويجري في نثره رائداً ومجدداً للبيان العربي في مواجهة التردي والضعف اللذين لحقا بأساليب التعبير النثرية المعاصرة. ولا ينحصر أثره في إحياء الديباجة النثرية الكلاسيكية فحسب، بمقاييسها المعروفة التي تقوم على البيان والتبيين - كما حددها الجاحظ - فالتويجري في نثره شاعر في إهاب ناثر. ولا يقف نثره عند حدود مَنْ سبقه من الناثرين المعاصرين أمثال: عباس محمود العقاد، ومصطفى لطفي المنفلوطي، وأحمد حسن الزيات وغيرهم، بل يتعدّاهم إلى آفاق إبداعية ذاتية تقرّبه من الشعراء الإبداعيين وذلك لدفء أسلوبه ودفقه الذاتي، وتعبيره عن مواجده النفسية من قلق وحيرة وأمل وخيبة، وذلك مما يجعله قريباً من أدباء الحداثة.
نثر التويجري متوازن يربط بين الذات والموضوع، وبين العاطفة والعقل، وبين الواقع والمتخيّل، وإذا كان اهتمامه يتجلّى في احترامه الكبير لدور اللغة ووظائفها في التعبير، فهو يجهد في تحميل لغته جناح الشعر والخيال دون أن يجور على وظائف اللغة، أو يخرج بها عن دلالاتها، أو يهبط بها إلى مستوياتها الشعبية، فهو محافظ بمقدار ما هو مجدد في النثر من حيث تطويعه اللغة لتعبِّر عن أدق خلجات نفسه وخواطره.
قبل التويجري كان التأمُّل الفكري في قضايا الكون والمصير ميداناً للفلاسفة والشعراء، وعلى يده أصبح التأمُّل موضوعاً للكتابة النثرية الأدبية، وهو يلتقي في نثره بكلا الفريقين يلتقي بالفلاسفة، بالبُعد التأمُّلي لنثره، ويلتقي بالشعراء بالصور الجميلة والخيال الذي يؤلف بين الأشياء، لكنه يمتاز عنهم بأنّه لا يذهب بعيداً في الغموض والتعمية والاتكاء على الخرافة والأساطير. وإن كان مثلهم ينشد الأفكار المجردة المطلقة دون أن يدّعي - وهو الأديب - أنه يمتلك نظرية فلسفية أو معرفية تحلّ أسرار الكون والإنسان. وكثيراً ما يقف عند شاطئ الحيرة والتساؤل لإيمانه بعجز الإنسان عن سبر أسرار الكون العظيم أو إدراك ما أبدعه الخالق في نفس كلِّ إنسان من أسرار خفية .. يقول:
(في تصوُّري أنّ من توهّم أنّه ارتاد الفضاء، ودخل بطفولته الذهنية مجاهله، لا يزال طفلاً أمام علم الله الواسع، وصدق الله العظيم: {وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً}).
ويقترب التويجري من المهجرين في التعبير عن قلقه وتغرّبه، ونزوعه إلى عالم الطبيعة بما فيها من نقاء، ويرى في البداوة صورة لهذا العالم الطاهر، لأنّها تقوم على الفطرة. فيستعير من حياة البداوة مرجعيته الفكرية والجمالية، لكنه يطالب قومه بالاحتفاظ بقيم البداوة دون التوقُّف والجمود عندها. فالحنين إلى الماضي المفقود يجب أن يكون حافزاً للإنسان ليستردّ قيمه. فالله تعالى منح الإنسان العقل ليستخدمه في تحسين شروط الحياة: (فلنأخذ من المدنية خيرها ونطرح شرّها).
والإسلام كما يعبِّر التويجري أعظم رسالة أفرزتها البداوة للعالم، ومبادئه هي التي أضفت على حياة الصحراء النبل والبراءة، أمّا المدنية المعاصرة فكانت إضافة مصطنعة أفسدت جوهر الإنسان وأطاحت قيمه وطيبة سريرته: (هذا العصر لا يريد ذكريات بجمل ثوى، وخيمة احترقت، وصحراء صارت إلى مدن، ولبست لباساً جديداً، وما يريده العصر لا أقوى على احتماله أن أنفي عن ذاكرتي كلّ هاجس يرسله لي الماضي، وإن كان أسمى القيم وأكثرها طهراً، أنا خائف من الأيام الباقية لي. أخشى أن تقول لي: اخلع ملابسك وملابس القديم، والبس ملابسي، وإذا قالتها: كيف لي معها؟ أقدّم رقبتي لها لتقودني حيث تشاء، أم أستجمع قواي الروحية والإنسانية والخلقية وأدخل مسجدي، وأصعد مئذنته وأقول: لا .. وألف لا، فأنا إنسان عربي مسلم).
في الواقع العربي الاسلامي الراهن والمتردي، يجدر الإصغاء إلى صوت التويجري المصلح الذي يطمح إلى إحداث ثورة في نفس العربي المسلم من الداخل، ذلك أن أية ثورة لا تنبع من التراث وتعتمد على وسائل خارجية بالقسر والإكراه لن تجدي في إحداث التغيير المطلوب.
من هذا المنطلق تأتي أهمية دعوة التويجري ونجاعتها في توجيه الأجيال. كان للعلم أثره في تغيير العالم المادي، لكنه عجز عن تحقيق العدالة أو السعادة للإنسان، فالعلم طريق للمعرفة لا يلتفت إلى الألم الإنساني الروحي، أمّا الأدب فهو وحده القادر على التعبير عن كونية تحقق للإنسان إنسانيته. وآفاق النفس البشرية أرحب من أن يسيّرها العلم وحده.
يقول: (علمتني الحياة أنّ النفس البشرية ليست محدودة المعالم، ولم تستطع كفّ العقل أن تقبض عليها، وإن كان هذا العقل يساوي سعة الكون أضعافاً، وما قاسه العلم وما تصوّره العالم وأدلى بشهادته عليه لا يعدو حجة أمام عالم يصل إلى ملامحه أزرار ثوبه، فالإنسان عالم ممتلئ ولن تفرغه من هذا الامتلاء في هذا العصر وحركته على كلِّ طريق من طرق الأرض أو الفضاء).
ويرفض التويجري عقلانية عصرنا الشوهاء، لأنّها لا تمسّ سوى السطح النظري من المعرفة، على عكس غنى الروح، وهذه العقلانية التي تقوم على التجربة تظلُّ قاصرة محدودة، وما تفضي إليه من حقائق يظلُّ نسبياً يتلوّن بنظرة الإنسان إلى الكون والأشياء يقول: (الإنسان ذاته هو الذي يلوّن الأشياء بمفهومه، ويعطيها أحكامه عليها، دون أن يكمل الرحلة مع الحياة في متاعة غير مسرعة الخطا وأحكامه جائرة عن الكمال المطلق في الصنعة التي صنعها الله). آدم الكهف أو آدم الصعود إلى الفضاء هو الذي يخبط خبط عشواء، وهو الذي يجندل التساؤلات ويذبحها دون أن يذكر اسم الله عليها، فهذه العوالم العظمى، وهذا الإنسان الذي يحاورها ويزاورها ويعطيها المعنى لوجودها هو ذاته لم يرَ نفسه ولم يعبر طريقاً واحداً إليها).
ويصدق على التويجري مقولة: إنّنا نفكر حين نتألم، فهو من أعظم الكتّاب الذين فجّر ألمهم النفسي شهادته على العالم وما يجري فيه من مآسٍ، ودعوته للتغيير موجَّهة للإنسان عامة ولقومه خاصة.
إنّ حيرة التويجري أمام أسرار الحياة وتساؤلاته المستمرة عنها تذكِّرنا ونحن نقرأ أعماله، بروائع الأدب الخالد كقصيدة النفس لابن سينا والطلاسم لإيليا أبي ماضي، لكن هذه الحيرة لم تكن دائماًً سداً منيعاً أمام رؤيته الفكرية التي كانت تخترق أحياناً الحجب بإشراقات أقرب إلى إشراقات المتصوفة والروحانيين الكبار، ولا تكاد تفرغ من قراءة كتبه إلاّ وتحسّ أنك أصبحت أقدر على مداراة ضعفك الإنساني، والتنبُّه إلى معنى الرسالة التي كرّمنا بها الله تعالى، وأكثر وعياً لدورك في الحياة الذي يقودك تراخيك إلى تهميشه والاقتصار على ما تمارسه كائنات الدنيا من طعام وشراب.
إنّ قراءة التويجري تكاد تكون إلزاماً للقارئ وأشد تأثيراً مما يكتب عنه، فما ينطق به من درر وحكم هو عصارة تجارب حياته وجهده في التأمُّل، لم يقتبسها من المراجع ومن آراء الآخرين، لأنّه يؤمن أنّ الحياة خير معلِّم للإنسان.
* * *
إنني لا أدّعي أنّ هذه المحاولة المتواضعة في الكتابة عن الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري تلمّ بجوانب فكره أو تمثّل حقيقة أدبه، لكنها مدخل لفهم آرائه الفكرية ونزوعه القوي إلى كلِّ مطلق ونبيل. وأنّ خواطره ورسائله تعكس تجاربه في الحياة ورؤيته الإنسانية والروحية والاجتماعية وخصائص أسلوبه في الكتابة، ونتاجه جدير بالقراءة لأنّه يضعنا على طريق إنسانيتنا السليم (فالحضارة أو التمدُّن ليست أكواماً من الحديد وأدوات الموت، لكنها في تصوُّري إبداع إنساني يبني الحياة ويُقيم المثل، ويحرسها في ضمير الإنسان المضطرب والخائف. الحضارة والتمدُّن في أن ترى الله في مصلاك إن كان في محل عبادتك أو داخل نفسك). وهذا المعنى الروحي هو ما نفتقر إليه في عصرنا المادي .. وهو ما يحاول التويجري جاهداً أن يبصّر به الأجيال لتستردّ ماضيها المفقود، وتحلّق بجناحين من العلم والإيمان، فتستردّ مكانتها تحت الشمس

الحوشية
11-12-2006, 05:20
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/23.jpg

الحديث عن معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، من الأحاديث المستطابة، لا لشيء سوى كونه حديثا عن رجل يمثل أمة، وأمة بأكملها في شخص رجل تتجلى فيه الوطنية بأبهى وأجمل حللها، فهو القدوة الخلقية التي تقتفى وتتبع، مثلما هو القدوة في التفاني والإخلاص للدين والمليك والوطن، ولا شك أن تكريم معاليه بتخصيص حيز لا يستهان به من هذا المنبر الصحافي والإعلامي المهم الذي تمثله هذه الجريدة الغراء، هو عرفان وتقدير منها للقيمة الوطنية التي يمثلها ذلكم العلَم الشامخ، فهو أحد عظماء الرجال الذين خدموا دينهم ثم مليكهم ووطنهم ووضعوا بصمات مضيئة ومشرقة في برنامج التنمية والتطوير والتحديث في بلادنا الحبيبة، وكان له دور بارز في كل الأعمال التي تقلدها وأهمها أنه أحد رجال خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - حفظه الله - الذي توسم فيه الإخلاص والعطاء وعمق التجربة ووضوح الرؤية فكان عند حسن الظن وأبدع في عمله وشارك في أدوار رئيسية في بناء منظومة الحرس الوطني ليكون مؤسسة حضارية تعنى بالإنسان، إضافة إلى الإنجازات التي تمت في المجال العسكري والعمراني والصحي والهندسي والثقافي بشكل يدعو للإعجاب ويتماشى مع توجيهات وتطلعات الملك عبد الله الذي وضع همه الأول الإنسان السعودي منذ أن تولى رئاسة الحرس الوطني وبولاية العهد ثم مبايعته ملكاً لهذا البلد الأمين.
وبنظرة سريعة إلى الحياة العملية لمعالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري، نجد أن حياة ذلك الرجل المميز، تمتاز بالكثير من جوانب العطاء التي لا يمكن حدها بحدوده، ففي حياة معاليه المباركة الممتدة منذ ولادته سنة 1336هـ وحتى اليوم، نجده أطال الله في عمره وبارك فيه، قد أسندت إليه أعمال جليلة منذ فجر حياته، حيث بدأ عمله متطوعا في صفوف جيش جلالة المؤسس الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود أنزل الله عليه شآبيب رحماته، فمشرفا على بيت مال المجمعة وسدير والزلفي بأمر من جلالة الملك عبد العزيز - رحمه الله - فرئيسا لمالية المجمعة وسدير والزلفي، ثم توالت أعماله الجليلة وإنجازاته في صفوف الحرس الوطني التي بدأت منذ ما يقرب من خمسين عاما وحتى اليوم، أما اللجان التي شارك معاليه فيه والتي ترأسها فإن الحصر لا يأتي عليها.
ولا يوجد موظف مدني أو عسكري في الحرس الوطني إلا وكانت له مواقف نبيلة مع هذا الرجل النبيل، فهو جابر عثرات الكرام لهذا الزمن.. تجد الابتسامة والبشاشة والكرم والمواقف النبيلة وتشجيع المثابرين وتبني المواهب واستيعاب المواقف.. والدفع بالقدرات إلى الأمام ويذكر معالي الأستاذ فيصل المعمر أمين عام مجلس مركز الحوار في حديث دار أثناء زيارتي المستشفى لعيادة معالي الشيخ عبد العزيز بوجود ابنه الخلوق الأستاذ الفاضل محمد التويجري والأستاذ محمد صالح المترجم الخبير في الحرس الوطني، يذكر كيف دفع به الشيخ إلى الأمام في أول زيارة للملك عبد الله للمكتبة ليشرح محتواها ولم يصادر تجربة الشاب وحماسه ومن ذلك انطلق المعمر كبقية الذين تشرفوا بالعمل في كنف الشيخ إلى آفاق أوسع لخدمة الدين ثم المليك والوطن.. ولا يزال صدى جهوده - شفاه الله - في المهرجان الوطني للتراث والثقافة حين تبنى سياسة الملك عبد الله في دعوة عدد من المثقفين والمفكرين العرب الذين كان لديهم مواقف ضد المملكة فتم استيعابهم وأصبحوا من أشد الناس احتراما وتقديرا للمملكة ولنشاط المهرجان الوطني للتراث والثقافة وما زلنا نعيش جهود وفكر الشيخ التويجري في توطيد الثقافة السعودية مع الآخر بشكل علمي وموضوعي.. دعواتنا في هذه الأيام المباركة لهذا الرجل العظيم بالشفاء العاجل وأن نسعد دائماً بأن نراه يواصل خدمته لدينه ثم مليكه ووطنه.

http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/25.jpg

حاطب الليل يوقد للسراة
سليمان الفليح

ها هو جيل من الحكمة يحمل قرنا من الأحداث العاصفة التي عاصرها بسلوك الطود عبر ستة أجيال من الحكم السعودي المجيد المتعاقبة عبر عمره المديد والمليء بالتجارب الجسام والخبرات المتراكمة والبصيرة الثاقبة، فقد عاصر المؤسس العظيم عبد العزيز بن عبد الرحمن، طيب الله ثراه، وامتدت علاقته بالحكام من آل سعود حتى يومنا هذا بعزيمة لا تكل ولا تمل من (مسيرة العطاء والبناء والصبر والأناة والرشاد)، وهذه القيم الوطنية النبيلة هي التي تجدد شبابه في كل عهد وتجعله شاهدا وفاعلا ومنجزا ومنتجا خلال كل تلك العهود.. فالذي نعلمه عن الشيخ عبد العزيز بن عبد الحسن التويجري أنه قد تلقى علومه التقليدية الأولى كأي، فتى سعودي عاش في عصره، على أيدي العلماء الأوائل الذين رسخوا في أذهان تلامذتهم العقيدة والأدب والرجولة، ولكنه منذ بواكير الشباب وقد أخذته نزعة الاكتشاف والاستشراف نحو آفاق الحياة الأرحب، كان يطل من تلال المجمعة نحو فجر بلاده الجديد مترنما بجسارة المتنبي وفلسفة المعري بانتظار (سراة الليل) الذين يسابقون الصباح ليحمل فأسه الصلدة (كحاطب ليل) يريد أن يوقد النار لأضياف تاريخه القادمين على صهوات خيل التوحيد و(مبارك) هجن الوحدة.. لذلك ما أن أشرق ذلك الصباح المؤمل بقدوم فجر عبد العزيز انخرط في خدمة بلاده مأمورا ثم مديرا لبيت مال المجمعة منذ 1357هـ.
وحينما أنشئت مالية المجمعة عين عبد العزيز التويجري مديرا لها. ولما أراد الله وابتسمت له الحياة أخذ يقترب من الحلم ويقترب منه الحلم لينخرط في خدمة الدولة السعودية الجديدة ويدنو من حكامها الأفذاذ الذين كما وصفهم ب(سراة الليل الذين هتف لهم الصباح) إذ اختاره الملك سعود، يرحمه الله، وكيلا للحرس الوطني للشؤون المالية والإدارية في العام 1382ه. ثم ابتسم له الحظ مرة أخرى ليكون الساعد الأيمن لصاحب السمو الملكي الأمير عبد الله بن عبد العزيز رئيس الحرس الوطني آنذاك وملك المملكة العربية اليوم - أطال الله عمره - وهكذا بقي عبد العزيز التويجري معاصرا لستة ملوك من آل السعود الكرام توارثوا الحكم كابرا عن كابر فأصبح بذلك شاهدا ومشاركا في صناعة تاريخ هذي البلاد بالرأي السديد والمشورة الصادقة والعقلية المتحضرة المثقفة، تلك العقلية التي تجمع بين الأصالة والتحديث فها هو يجيب أحد سائليه (نعم أنا بدوي وحضري في آن واحد. فالبدوي له شيم أبحث عنها في عروق الصحراء والحضري له شيم أجدها في زوايا المدنية) وهكذا حافظ الشيخ التويجري على هذا التوازن الصعب في زمن التطرف إما إلى البداوة كليا (ببعض سلبياتها) أو إلى المدنية كليا (ببعض انفلاتاتها) لذلك حافظ هذا الشيخ التسعيني على تحديث الأصالة - وتأصيل الحداثة، وهذا السلوك الفكري الذي تميز به شيخنا الجليل هو سر محبة الناس له سواء أكانوا من البادية أو من الحاضرة؛ لذلك يدرك كل الذين تعاملوا معه سر هذا التمازج الجميل الذي اشتمل على المروءة والشهامة والنبل وحب الخير والنظرة المستقبلية الثاقبة للأمور، وهذا هو سر آخر من تجدد شباب وحيوية وعقل هذا الرجل الذي يجمع الناس على حبه ومحبته وتقديره أينما حل، سواء أكان على كرسي المسؤولية أو في أي متكأ من مجالس أهل القرى أو مجالس أهل مدينته الأثيرة المجمعة أو في الصالونات الأدبية أو المحافل الثقافية أو منتديات الفكر والأدب، أي أن عبد العزيز التويجري قد سكن قلب المثقف العربي مهما خالفه الرأي مثلما استوطن قلب البدوي البسيط الذي أنجز له معاملة ضمن اختصاصه وراح يلهج له بالشكر والامتنان وهو يتجه إلى قريته النائية أو مضارب قبيلته البعيدة.. أما ما سيتركه التويجري بعد عمر طويل بإذن الله، بالإضافة إلى منجزاته الوطنية ومآثره التي لا تمحى من عقول الرجال فهي عدة مطبوعات مثل (في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء) و(حاطب ليل ضجر) و(رسائل إلى ولدي) و(ضجر الركب من عناء الطريق) و(لسراة الليل هتف الصباح) وثمة رسائل لم يزل يحتفظ بها بعنوان (رسائل خفت عليها من الضياع) نتمنى أن ترى النور قريبا مثلما نتمنى له طول البقاء

الحوشية
11-12-2006, 05:21
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/24.jpg

مكانة.. وعطاء..
أ. د. أحمد عمر هاشم *

عرفت الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري منذ زمن بعيد، عرفته شخصية محبوبة من جميع عارفيه، عُرف بدماثة الخلق، ورقة الشعور، والذوق الرفيع والأدب الجم. وتشكلت شخصيته عبر سنوات عمره التي قضاها في وطن الحرمين الشريفين على سمت الإيمان والورع، والشهامة والكرم، فأحبه كل من عرفه، ومن هنا تتجلى لنا سمات شخصيته، وملامح مكانته.
مكانته
إن مما لا شك فيه أن أي إنسان يعيش في وطن إسلامي يُعرف بخدمته لأبناء الإسلام، ويضم هذا الوطن بين جنباته أهم المقدسات الإسلامية: الكعبة المشرفة والبيت الحرام زاده الله تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وبراً، وزاد من زاره ممن حج أو اعتمر تشريفاً وتكريماً وتعظيماً ومهابة وبراً؛ إن أي إنسان يعيش في وطن إسلامي يتمتع بهذه المعالم، ويضم أرض الشعائر والمناسك وإليه تهوي الأفئدة فهو بلا شك تتفتح عيناه على عظمة هذا الدين وعظمة الوطن الذي يحمي حماه. فنشأ الشيخ عبد العزيز التويجري على حب وطنه حباً جماً؛ لأنه - إلى جانب وطنيته - يشعر بأن وطنه هو منزل الملائكة وهو مهبط الوحي وأرض الرسالة وقبلة العالم الإسلامي، فتتشكل شخصيته على قواعد كريمة، وقيم عظيمة، وسمات يتميز بها، فبرزت مكانته متحلية بهذه السمات، أضفْ إلى هذا:
أولاً: تولِّيه مهمة مساعد رئيس الحرس الوطني، وهو منصب رفيع لا يتقلده إلا أولو العزم من الرجال الثقاة الأمناء.
ثانياً: قيامه على تنظيم مؤتمر عالمي سنوي، هو مؤتمر التراث والثقافة على أرض (الجنادرية)، وهو مؤتمر يضم المثقفين والعلماء والأدباء والشعراء وضيوفاً من الوطن العربي ومن الوطن الإسلامي ومن دول الغرب، ضيوف متنوعون في ثقافتهم وفي أدبهم، بل وفي اتجاهاتهم، ومع هذا لا ترى في المؤتمر صوتاً يختلف مع غيره، ولا هبوطاً في الأداء، بل يقوم المؤتمر على أكمل صورة، وعلى تنسيق دقيق ما بين محاضرات دينية وندوات ثقافية وأمسيات شعرية وحوارات نقدية، يتعارف فيه أبناء العلم والثقافة في جميع أنحاء المعمورة فيتآلفون ويتعاطفون.
ثالثاً: كان الشيخ عبد العزيز يجتمع ببعض أهل العلم والأدب في بعض لقاءات خاصة في بيته يتجاذب معهم أحاديث الأدب والثقافة، وربما دعته الظروف أن يأمر بإحضار بعض الكتب من مكتبه لمراجعة مقولة أدبية أو قصيدة شعرية، فيمزج بين الأحاديث الودية الأدبية وبين القراءة والاطلاع والاستيثاق، كما حدث ذات مرة في مجلس من المجالس التي كنتُ واحداً من الحاضرين، وكان الحديث عن الأدب والشعر، وطلب ديوان أمير الشعراء أحمد شوقي - رحمه الله - لمراجعة قصيدة من قصائده وقراءة هذه القصيدة مع الحاضرين، وفي هذا ما يدل على استيثاقه من كل شيء ومراجعة ما يراه في حاجة إلى المراجعة، وهي سمة من سمات مكانته التي تتميز بالوثوق فيما يقول وفيما يفعل.
رابعاً: من سمات مكانته أنه كان قويّ الحجة، حاضر البديهة، عذب العبارة، يحبّ الناس ويحبُّه الناس، ويألف الناس ويألفه الناس، ويعتز بالصداقة أيما اعتزاز، ولا أنسى له موقفاً كنتُ فيه مدعواً في مؤتمر التراث والثقافة، وبعد أن عُدْتُ إلى مصر اتَّصل بي في المنزل ليطمئن على سلامة الوصول وعلى الصحة والعافية، وأعرب عن سعادته بي وبضيوف المؤتمر الذين أثروا الساحة الدعوية والثقافية بنتاج فكرهم المعطاء.
وكان الشيخ عبد العزيز التويجري يحب أستاذنا المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ خالد محمد خالد رحمه الله، وعند حضورنا معاً في هذا المؤتمر أبلغ الحاضرين معرباً لهم عن أهمية مقالات الأستاذ خالد التي نشرتها جريدة الأخبار أيام الغزو العراقي للكويت، وأعرب عن تقديره لمواقفي في كلمتي التي قُلْتُها في مجلس الشعب غداة الجلسة التي نُوقشت فيها قضية الغزو العراقي للكويت، وكيف تحدثت للحاضرين بروح الوطن الذي يتدفق حباً ووطنية وإخلاصاً في الدفاع عن وطنه وعن الوطن العربي والإسلامي في كل مكان.
عطاؤه
إن عطاء كل مسؤول يتجلى أكثر ما يتجلى في موقع مسؤوليته، وبشهادة الذين يعملون معه. ولقد كانت مواقف الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري في كل مجالات عمله وحياته مواقف تدلّ على مكانته وصدقه وأمانته وإخلاصه وكفاءته، وتدلنا مواقعه التي تقلدها على أنه كان موضع تقدير وثقة، حيث كان نائباً لرئيس الحرس الوطني المساعد بمرتبة وزير، وكان عضواً بمجلس الأمن الوطني، وعضو المجلس الأعلى للدفاع المدني الصادر بالمرسوم الملكي.. إلى غير ذلك من المواقع التي تدلّ على أنه موضع الثقة لدى المسؤولين ولدى الملك شخصياً.
بل إن عطاءه وكفاءته رشّحاه ليكون باسمه كرسي الزمالة بجامعة هارفرد بالولايات المتحدة الأمريكية، ويعني ذلك توفير منح دراسية للطلاب المتفوقين من مختلف أنحاء العالم للدراسة في جامعة هارفرد وبالأخص طلاب العلم في العالم الإسلامي والعربي.
ومن عطاء الشيخ عبد العزيز التويجري مجموعة مباركة من مؤلفاته القيمة التي تدلّ على جهود تُذكر فتشكر، منها: في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء، حتى لا يصيبنا الدوار، منازل الأحلام الجميلة (رسائل إلى ولدي)، حاطب ليل ضجر، أبا العلاء.. ضجر الركب من عناء الطريق، خاطرات أرّقني سراها، لسراة الليل هتف الصباح (الملك عبد العزيز دراسة وثائقية)، ذكريات وأحاسيس نامت على عضد الزمن، رسائل خِفْتُ عليها الضياع، عند الصباح حمد القوم السرى (الملك عبد العزيز دراسة وثائقية)، أجهدتني التساؤلات معك أيها التاريخ، ركب أدلج في ليل طال صباحه، الإنسان رسالة وقارئ، رسائل وما حكته في بيتي. وكلها مؤلفات تدل على ثقافة غريزة وعلى أدب جم وعلى قراءات واسعة، وأسلوبه عذب العبارة رقيق المعنى. وله عدد كبير من الكتب القيمة والعطاء الفكري والأدبي والثقافي. ومن بين هذه المؤلفات ما يدل على وفائه الذي لا حدود له، فمن هذه المؤلفات كتاب عنوانه: (رسائل خِفْتُ عليها الضياع)، وهي رسائل بينه وبين بعض الأصدقاء والأحباء وبعض المسؤولين، إنه يحتفظ بها ويخاف عليها الضياع فيسجلها في كتاب من كتبه القيمة.
وإن الشيخ عبد العزيز التويجري يمثل قيمة من قيم الفكر والثقافة والأدب والسياسة، ومن خير الرواد الذين أنجبتهم أرض الوطن الحبيب وعاصمة المقدسات الإسلامية، فبارك الله فيه، وبارك له، وأمدّه بنعمه دنيا وأخرى.
والشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري - أكرمه الله وأجزل مثبوته وعطاءه له - قدّم لوفود المملكة العربية السعودية الذين كانوا يحضرون مهرجان الثقافة والتراث كل التقدير والمحبة، وفي محادثاته ولقاءاته كان يجري اتصالات وحوارات أدبية وأخوية هدفها ربط القلوب وتوحيد الصفوف وجمع الناس على الخير والحب والمودة.
لقد ظلّ حريصاً على إثراء الساحة الثقافية والأدبية من خلال الوفود الذين كان يجتمع بهم ويعمل على التقرب منهم وعلى محبتهم ومودتهم، ولا شك أنه على صعيد الحب الخالص في الله وفي رسول الله صلى الله عليه وسلم تجتمع القلوب وتتحابّ وتتوادّ وتعلو مكانتها عند الله كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن من عباد الله أناس ما هم بأنبياء ولا شهداء يغبطهم الأنبياء والشهداء لمكانتهم من الله عز وجل. قيل: يا رسول الله، مَن هم؟ وما علامتهم لعلنا نحبهم ونقتدي بهم؟ قال: قوم تحابُّوا في الله على غير أرحام بينهم ولا أموال يتعاطونها، والله إن وجوههم لنور، وإنهم على منابر من نور، لا يخافون إذا خاف الناس، ولا يحزنون إذا حزن الناس، ثم تلا قول الله تعالى: {أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ}. ومن هذا النمط من الرجال المؤمنين المتحابين معالي الشيخ عبد العزيز التويجري؛ فقد كان يتمتع بقلب مخلص ودود، يحب زملاءه وأصدقاءه، ويحب جميع عارفيه، فعرف بمحبته لكل من يعرفه، ومحبة كل من يعرفه له. إنه من الشخصيات المحبوبة، إنه يطبق التوجيه النبوي الذي يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه: (مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى).


* رئيس جامعة الأزهر السابق - رئيس اللجنة الدينية بمجلس الشعب

الحوشية
11-12-2006, 05:22
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/26.jpg

كاتب بعد الستين..
د.محمد بن عبدالله العوين

كان ذلك اللقاء في عصر يوم ربيعي لطيف على بركة السباحة في قصره المعروف بالعليا، قبل ربع قرنٍ من الآن أي في عام 1402 هـ، وكان يصغي إليّ وأنا أقرأ عليه شرائح اللقاء الصحفي الذي أجريته معه في مكتبه بالحرس الوطني، لقد كان حريصاً جداً على التدقيق في كل كلمة قالها؛ فهو يتحدث عفوياً ومن دون تحضير مسبق، واللاقط يسجل ما يقول، وهو يخشى أن يكون التعبير خانه، أو أخفق في صوغ كلمة فجاءت في غير محلها؛ لذا حرص على مراجعته والإضافة إليه؛ وقد نشر في العدد الأول من جريدة المسائية عام 1402 هـ، وفي أول عددٍ أيضاً من ملحق (المساء الثقافي) الذي كنت أشرف عليه.
وعلى الرغم من أن الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري لم يكن قد أصدر أي كتاب آنذاك إلا أن حضوره الثقافي والفكري كان مؤثراً، ويثير الإعجاب والتأمل في هذه الشخصية العبقرية الفذة التي تخرجت وتعلمت وتكونت فكراً وخلقاً وسلوكاً وموهبة في مدرسة الصحراء العظيمة، وفي البيئة النجدية القاسية المتحدية التي تكوِّن أبناءها كي يكونوا على مستوى تحدي قساوة هذه البيئة وشظافة عيشها، وسمو قيمها، ومنعتها وعزة نفسها، وعظيم صبرها وعزلتها وتوحدها.
كان للشيخ حضور طاغ في اللقاءات التي تنعقد دائماً في داره في الرياض أو في الصيف حين يكون في لندن أو غيرها، يلتف حوله المثقفون والمفكرون من كل أقطار الوطن العربي؛ فتتوالد الأفكار، وتُقبس المعاني، وتنقد المقولات، وتُعرض أجدّ الإصدارات، وتُثار الهموم القومية والحضارية، وتُقدم المشروعات الأدبية الكبيرة فتجد من الشيخ العون والمؤازرة.
اتخذ من السعي إلى المعرفة بأي سبيل كان هدفاً وغاية، يستمع كثيراً ويقرأ كثيراً ويحاور كثيراً، ولعل من بواكير حظوظه الطيبة لطيبة طويته وحسن نيته أن التقى باكراً في قريته الصغيرة آنذاك (المجمعة) برجل يكبره بأربعين عاماً، وكان فتى غضاً لم يناهز السادسة عشرة؛ فهداه إلى طريق المعرفة، ودله على أمهات الكتب، وتعرف من خلاله على أبي الطيب المتنبي وعلى أبي العلاء المعري، وعلى الشعر الجاهلي والأموي، وعلى التاريخ والفكر فأفاد من معلمه ذلك المجهول الذي لم يبح باسمه في رسائله، ولعله يصرح به في مذكراته التي عزف عن كتابتها لأنها شيء خصوصي كما يقول(1).
ولقد وددت أن أدون ما جرى في ذلك اللقاء الأبوي الخاص من تعليقات واستفاضات وشروح وقصص فيها فائدة وعبرة؛ لولا أنني خشيت أن أكتب ما يفهم أنه خصوصي ولا صلة للقراء به. لقد أدخل في روعي وكنت فتى غضاً متدفقاً بدم الحياة أن الإنسان لا يكمل بماله أو جاهه وإنما بما تكون عليه وتطبع من فضائل وقيم وحكمة وعقل راجح. لقد تعلمت منه كيف يتعامل الأب مع أبنائه وبناته، وكيف يفسح المجال لهم في الاختيار والتكون والبحث عن الذات، ولكن كيف يقف أيضاً بمسافة قريباً جداً منهم موقف المراقب الناصح المشفق المحب، وتعلمت منه كم هي قيمة الإنسان كبيرة في داخله لا بما يملك، ولا بما يصنعه حوله من أبهة وخيلاء وكرنفال.
وتعلمت منه أن في الكون دائماً من هو أكثر قوة وأوفر مالاً وجمالاً وسلطة ومنعة، فإذا نظرت إلى نفسك في المرآة فعليك أن تتطامن وتتواضع لأنك بالتأكيد ستكون قبيحاً جداً أمام كثيرين يفوقونك في كل ما يمكن أن تعتز به.
وعلى الرغم من لقاءات عديدة تمت بعد ذلك إلا أنها كانت لقاءات مزدحمة برواد مجلسه العامر وضيافته الكريمة، والكرم فيها مقسّم على الجميع، بيد أن كرم اللقاء الخاص كان لي وحدي!.
في واحدة من هذه اللقاءات الكريمة في داره العامرة تعرفت على ابنه خالد، معالي الأستاذ خالد بن عبدالعزيز التويجري رئيس الديوان الملكي الآن، وأمين عام هيئة البيعة، وكان وقتها ناهز العشرين عاماً، فدار حوار بيننا عن جبران خليل جبران وصلته بمي زيادة، فذكرت أن الرسائل المتبادلة بينهما قد جمعتها سلمى الحفار الكزبري في كتاب عنوانه (الشعلة الزرقاء) فطلب الحصول عليه، وجئت به إليه في زيارة ثانية وكتبت عليه إهداء خاصاً.
لقد أشار الشيخ إلى ابنه خالد في تلك اللقاءات بأنه من يهتم بقضايا الأدب الحديث والثقافة الحديثة، وما يطرح من جديد في ذلك.
ولا غرو في هذا فشاب ينشأ في مثل هذه البيئة التربوية والعلمية والفكرية والأخلاقية ماذا سيكون؟! إن لم ينشأ متشبعاً بقيم هذه البيئة الرفيعة وآدابها وأخلاقياتها وسمو معارفها.
هل يعد ما كتبه التويجري
سيرة ذاتية؟
يذكر الدكتور زكي نجيب محمود أن كتابة الشيخ التويجري لرسائله الأدبية المشهورة إنما هي ضرب جديد من السيرة الذاتية، فلقد رأينا وقرأنا قبل ذلك كثيراً من سير العظماء التي ترجموا بها عن ذوات نفوسهم، ولكننا قلما وقعت أبصارنا على سيرة ذاتية جاءت بالصورة التي جاءت بها سيرة الكاتب عن نفسه في هذا الكتاب(2). وفي هذا القول مبالغة شديدة، وتجاوز كبير على مفهوم السيرة الذاتية، فالكاتب لم يقصد في الأصل إيراد سيرته؛ لأنه يراها شيئاً خصوصياً، بل تأتي إيماءً وعرضاً، وغرضاً غير مقصود، وكتابته للرسائل هي لون من التفريغ النفسي، وبحث عن مخرج لأفكار كثيرة متزاحمة، يريد أن يخفف بها عن كاهله كما يقول (فمن لا يرم أثقاله وهمومه عن عاتقه في مثل هذا الهذيان الذي لا يعني غير كاتبه، فقد يتآكل في ذهنه وعقله وتفكيره كل جميل في هذه الحياة ويصير إلى جذع يبس وتخشب لا ظل له فيطرحه لتستريح فيه ذاته من طول السفر)(3).
ومثل هذا الذي يعنيه الدكتور زكي من أنه سيرة ذاتية رسالته المعنونة ب: أبكي بكاء أرض عطشى(4)؛ فقد كتب الشيخ التويجري فيها شيئاً من سيرته الذاتية بصورة سردية وباقتضاب إلى أن بلغ السابعة عشرة تقريباً، ذكر صدمته حين بلغه نبأ وفاة والده ودفنه على شاطئ الخليج، ودمعة طفل لم يتجاوز السادسة من عمره على فقد أبيه وترمل أمه، ومرارة هذه الدموع هي مرارتها التي لم تبرحه وهو شيخ تجاوز الثمانين حين كتب هذه الرسالة؛ (فالدمعة الأولى أو الدمعة الثانية على هذه الرسالة مجراهما واحد)(5) ثم ذكر القرية، وكيف هرب من قرية الأهل التي حملوه إليها حافياً على قدميه نهار يوم كامل، وكيف تطوع في إحدى الحملات الحربية عام 1352 ه، وما لاقى من المشاق، ثم كيف أيضاً أراد النزوح إلى العراق بحثاً عن الرزق ولكن صديقه البدوي عنفه وصرفه عن رأيه وأخذه إلى الرياض، ثم كيف كتب خطاباً إلى الملك عبدالعزيز -رحمه الله- يطلب فيه توظيفه فكان هذا فاتحة خير وبداية طريق عملي طويل جداً ومثمر جداً.
ولكن الشيخ لا يريد أن يبوح بسيرته العملية، ويفضل الصمت على الحديث، ولا بمن تعرف عليه من الرجال ذوي القرار، وهو وثيق الصلة بالقيادة، وما يحيط به من أجواء وبيئات عملية تتولد فيها أحياناً توجهات للرأي المؤثر أو تعالج فيها قضايا وهموم وطنية وقومية ومن الخير تدوين ذلك للتاريخ وللأجيال القادمة، بيد أن التويجري وهو في خضم هذه المسؤوليات لا يريد إلا التوقف عند لحظة فاصلة من السيرة الذاتية، هي اللحظة الأولى مع الألم والقابلية للضياع أو الاهتداء، فقد كان على مفترق طرق إما اضمحل واندثر أو بقي ونما ونضج وأثمر، وهو يعود بالفضل في ذلك لله تعالى (ثم لرحم طفولته، بيئته وقريته التي تبني تقاليدها ولا تهدم، وتعطي مثالاً من الأخ والحارس وساكن القرية)(6).
وهو وإن دون لنا في هذه الرسالة فصلاً مهماً من فصول حياته هو ذلك العمر الصعب العاصف الواقف أبداً في مهب الرياح كما أسماه، إلا أنه لا يريد أن يدون من يكون صاحب هذه الرسائل وما لون حياته وما دوره مع القلم أو مع المسؤولية، بل يصرح أن القارئ لن يجد جواباً على تساؤل كهذا في رسائله (لأنها خصوصيات وظروف حياة لا فائدة من بعثرتها على جوانب الطريق العام)(7).
وما دمنا في معرض هذا الحديث فإنني آمل كل الأمل من أبناء الشيخ الأفاضل أن يبادروا إلى نشر سيرة الشيخ عبدالعزيز إن كان كتب شيئاً منها، وعدل عن رأيه في ذلك؛ فهو حين يكتب سيرته وينشرها لا يبعثرها على جوانب الطريق كما ذكر، بل يؤرخ لمرحلة مهمة من تاريخ بلادنا ومسيرتها في طريق النهوض الوطني العام، وهو شاهد أمين على فصول ومراحل هذا التطور، ومع النقلات الهائلة التي مرت بها بلادنا، وعلى القفزات الحضارية على كل المستويات، وفي سيرته عظمة الكبار خلقاً، وحكمة العقلاء تجربة، ونظرة المتأمل الواعي البصير فيما يحدث ويطرأ من مستجدات الحياة وصروفها.
أفكار التويجري في رسائله
كتب الشيخ عبدالعزيز تسعة كتب قائمة على فني الرسالة والخاطرة(8)، يناجي فيها الصحراء، ويخاطب ولديه، ويتحدث إلى التاريخ، وإلى أبي الطيب المتنبي، وإلى أبي العلاء المعري.
فهو يخشى على أولاده من توحش حضارة هذا العصر؛ فيخاطبهم وهم في بلاد الغربة بين أمةٍ تختلف عن أمتهم، ويحيط بهم من المثيرات وعوامل الانحراف ما يرغب ويدعو الشاب إلى أن تزل قدمه إذا ما عصمه الله، ولذا فدافعه في كتابة رسائله مخاوفه ووعظه لأولاده حين كانوا في جامعات القوم هناك بعيدين عن هذه الصحراء وقيمها ومعتقداتها الكريمة، وهو لا يخاف عليهم وحدهم، بل يشاركه في هذا كل الآباء الآخرين على أولادهم من سلبيات هذه الحضارة، بعد عزلة عن عالم البشر، وهو أمر لا يستطيع اليوم خائف أن يختفي عنه وإن لاذ بالظلام(9).
وكأنه يقول: الوقاية خير من العلاج، والوعظ والنصح المسبق أجدى من العتاب بعد الفقد والضياع. يكتب متخلياً عن سلطة الأب دون إلزام، وفي قرب شديد منهم، مختصراً المسافة الزمنية والعمرية الفاصلة بين الأجيال.
يخشى عليهم من الجهل وبلادة الحس والكسل والركض وراء الشهوات وصديد هذه المدنية - الفائضة بها تلاعها - وأن يتخذوها مورداً لهم عن رسالتهم الشريفة في هذه الحياة(10) ويهدي إلى ابنه قيمة التجربة الحياتية العظيمة؛ إذ لا معنى لذكريات مجردة صفراء تكتب دون أخذ العظة والعبرة، والمعنى الحقيقي التربوي الأبوي العظيم يكمن في سر اكتشاف الحياة، وتوظيف التجربة، والتأكيد على قيم الخير والصدق والجمال، والتنبيه على خطورة ما يعتور الطريق من أوشاب وزائفات الأفكار والأخيلة الخادعة، ويذكر أن الباقي الذي يفيد ويثري هي هذه المعاني الشريفة النبيلة؛ فهي أفضل ميراث يتركه له؛ لأن مشاعره وإحساساته وخواطره هي هو، وهي بصمته الوحيدة التي يتركها على دربه (أما ما يأتي وما أورثتك إياه، فهي كما قلت أعراض زائلة وغبار أثرته في وجهك، قد يغريك ويفتنك وينسيك حقائق سامية كثيراً ما ضاع الإنسان عنها في متاهات الترف(11).
ويكتب أيضاً عن حضارة العصر الغول، وماديتها، وجفافها، ومجافاتها الفطرة الإنسانية، وينفي أن تكون محصنة عن الاتهام (12)، ويدعو شباب العرب والمسلمين إلى حرية التفكير وحرية ممارسة الخطأ والصواب في البحث عن الحقيقة، وينقم على من تنكروا لأمتهم وزهدوا فيها وراحوا حاشية رديئة لسلبيات هذه الحضارة، فلا يأسف على قسوته عليهم؛ لأنهم ببغاوات وصدى لا يحمل غير الجوع والظمأ لحامله(13) بل إنه يصرح بهجائه الحضارة الغربية في حوار مع إحدى المحطات الإذاعية الأمريكية فيقول بعد أن أشار إلى سلبيات هذه الحضارة وما تعيشه من تهتك أخلاقي وانكباب على اللذائذ الحسية واندفاع نحو الغرائز الحيوانية: (..ناهيك عن أن الغالبية العظمى في المجتمعات الغربية لا ينظرون إلى الحياة إلا من خلال منظور نظام اقتصادي مادي؛ إذ يكادون أن يقطعوا كل صلة بأوامر الله ونواهيه، وهذا شيء مؤلم جداً ومعذب للنفس الإنسانية فغدا الإنسان وكأنه يخرج إلى الدنيا من النور لينتهي إلى الظلام والمجهول)(14).
ويكتب عن إيمانه العميق بالله، وتوحيده إياه، وتوكله عليه، وعن سماحة الإسلام ويسره، وتعايشه مع الديانات الأخرى، وأن العرب والمسلمين استوعبوا الحضارات والديانات الأخرى كاليهودية والنصرانية وعاشوا سوية في انسجام وتعاط حضاري(15).
وهو متدين عميق الإيمان كما يصرح في حواره الإذاعي(16) وكما يكتب في رسائله(17)، ولا يرى تناقضاً بين الإسلام والعروبة(18)، بل إنه يشتد في الملامة على العروبة بمفهومها المناطقي الضيق، التي تعطي دروساً في القطيعة والتبدد والتوزع وهدم الجار لبيت جاره (ومن لم يقبل على هذه المدرسة فتح له الآخرون مدارس أكثر بشاعةً وأكثر مسخاً وأكثر قطيعة فيما بين الله والإنسان)(19).
إذاً تكاد الرسائل لدى الشيخ التويجري تدور على جملة من الأفكار النيرة، والقيم الأخلاقية العظيمة، وهي ترسم صورة واضحة للكاتب من الداخل؛ فهي بصمته، وهي ذاته دون زيف ودون رتوش، تقوم رسائله على أفكار هي في مجملها تنبثق من الدين بقيمه السمحة، والعروبة بمعطياتها الأخلاقية الثرية، وعلى الصحراء بإلهامها وآفاقها وبيئتها الخلاقة، ويدعو دائماً إلى العودة إلى الفطرة والتسامح والمحبة، ويحن إلى الماضي، ويستلهم مفردات ذلك الماضي وما شكله من صور عن طريق مناجاة الصحراء، والكثبان والرمال، والمطايا، والرواحل، وظلال الأشجار، والطيور، والغسق، والليل، والنجوم، والطبيعة.
وهو في جل هذه الرسائل يوجه خطابه إلى ولده حيناً، وإلى أبويه حيناً آخر. وقد ذهب الدكتور زكي نجيب محمود إلى أن الكاتب يريد أبويه البعيدين آدم وحواء، بينما الأقرب الأشد وضوحاً أنه يريد أبويه الأقربين، وقد صرح بهذا المعنى في الخطاب الأبوي القريب المعاني من شظف العيش وقسوة الحياة التي عاشها أبواه في إحدى رسائله(20).
الموقف النقدي من كتابة التويجري
يتعفف الشيخ عبدالعزيز التويجري كثيراً عن لقب (أديب) ويتواضع كما هو مسلكه في الحياة؛ فلا يرى في ما يكتبه أدباً، بل هو لون من المناجاة الذاتية الخالصة، أراد بها التخفف من أثقال الحياة، والإفضاء إلى من حوله من الأقربين، أو من يرى فيهم مثلاً ومعنى كريماً من الأبعدين، مثل: عروة بن الورد، وعنترة فارس بني عبس، وصاحب معرة النعمان، وأبي الطيب المتنبي، وغيرهم، فيحملهم أفكاره، ويقبس من معانيهم بعض معانيه، ويرى فيهم قدوة ومثلاً. ما كان يطمح إلى نشر هذه الرسائل فهو كما يقول (أنا أحترم القارئ وأجبن من النعامة أن أطرح كلمة في الشارع وأنساها، ليس من السهل على الإنسان أن يقتحم مجال التأليف دونما رضى كاف)(21). كان هذا جوابه حين سألته عن مقدار عزيمته على نشر ما كتب؛ فلحظت تهيبه وقلقه من نشر هذه الخواطر المتداخلة غير المترابطة كما اعترف بذلك في إحدى رسائله إلى ولده(22)، ويعترف بأنه لا يملك الشجاعة كي يعطي ما لديه، ويتواضع خوفاً من ملامة النقد والنقاد فينفي أن يكون لديه شيء له قيمة؛ (إذ هي رسائل أدعها لنفسي أو تنشر بعدي! كتبت الآن منها ثلاثين رسالة وهي خاضعة للمراجعة، وإذا وصلت إلى الصورة التي أريدها يمكن أن أفكر بنشرها)(23).
بَيْدَ أن كتابته المتأخرة التي تدفقت في سن الشيخوخة عندما قارب الستين انثالت في أسلوب خطابي خاص، لم يقتف فيه أثر أحد من السابقين، وإنما جاءت نسيجا وحدها، هي أقرب إلى الأحاديث المملاة منها إلى التدوين الكتابي، فكأنها مشافهة تكتب لا نصاً يفرُّ من بين أنامل صاحبه إلى الورق ولربما ولعدم الدربة باكراً على الكتابة، ولغلبة الشفاهي في ثقافة التويجري، ولأنه لم يتلق درساً نظامياً لغوياً وأدبياً، ولأن البيئة الأولى التي نشأ فيها شكلت وجدانه ولغته ومعانيه جاءت رسائله على النحو الذي جاءت عليه منساقة دون تزويق ولا صنعة، يغلب عليها تكرار المعاني، ومعاودة طرقها بين حين وحين في الرسالة الواحدة، وطول الجمل، وتشابه الصيغ، وغلبة أساليب النداء، وخلو النص من جماليات الشكل الفني؛ لاهتمام الكاتب بالمعنى النفيس وإظهاره بصورة تفوق الاهتمام بالصنعة الفنية، ولابتعاده عن تقليد أساليب المنشئين (وكأنه حين يرى ما تجنيه خواطره بعد طول التفكير، ومداومة النظر، وما يختلط أمامه من الرؤى والأفكار، وانتظار ما سيجيء لا يطمئن في عباراته، ولا يستكين إلى طريقته في الحديث، فيأتي السياق التعبيري متداخلاً متفرعاً، لا يستقيم ولا يتواصل في انسياب نحو الأفكار المتسلسلة المترابطة)(24) وعلى الرغم من تبين هذه الملامح التي أشرت إليها إلا أن الصدق الفني الذي يشيع في الرسائل والخواطر يكاد يصرف النظر عن البناء والأساليب، فلا يسترعي الانتباه سوى انثيال الكاتب وتدفقه الطبعي في سوق أفكاره، والتأكيد عليها في عفوية محببة جميلة ومقنعة. وقد تنبه إلى هذا الملمح د.زكي نجيب محمود في مقدمته التي أشرنا إليها فرأى أن منهج الكاتب هو تداعي المعاني، ويسميه التيار الدافق الذي لا يعرف الفواصل بين خطوة وخطوة في مسيرة واحدة(25)، وقد برع الناقد في إجمال تفوق هذه الرسائل في البعد العفوي المتدفق، وفي انطلاق الخواطر وانثيالها دون قيود، وهذا كفيل وحده بإنجاح النص، وتفوقه وإقناعه، كما أن الصدق الفني يعني البعد عن التكلف، وكراهية الصنعة، وهو لم يتعمد هذا الأسلوب لأنه لا يعلم ما هي الصنعة الفنية في الأصل، ولذا جاءت كتابته صادقة عفوية طبعية قريبة إلى النفس.
وهو وفق هذا المعنى الفني يكاد يكون نسيجا وحده؛ إذ بنى لنفسه عالماً خاصاً، وخلق أجواء ذاتية متفردة، من الصواب أن نسميها أجواء الثقافة الصحراوية بفتنتها وكرمها وقيمها الخلقية النبيلة، وأصالتها وعمق انتمائها إلى الأجمل والأبهى في الإنسان قبل أن يتلوث ويتشوه وتنشرخ في داخله كثير من قيم الصحراء السامية من أثر الاحتكاك غير المتكافئ وغير المتوازن بحضارة المادة والجسد وأدوات الدمار. ويرى الدكتور حسن ظاظا أن التويجري قد سن مذهباً فذاً جديداً في أدب النثر، وليس المعنى أنه ابتدع فن الرسائل، فهو فن عربي قديم، بل المعنى أن التويجري أكسبه من البساطة التي لا يقدر عليها إلا من جاءته هبة من السماء كا يقول(26).
ويعضد البساطة ما يسميه ظاظا بالالتزام الخلقي الذي ينساب كالماء الصافي من النبع، وكان النص - وكما يشير ناقدون كثر - صورة لصاحبه؛ فهو يصوره خير تصوير؛ لأنه فعلاً يكتب ذاته دون تكلف ولا غلواء ولا صنعة ولا تزييف. ولذا قد لا نقول مبالغة إننا قد نستطيع أن نكتب عن الشيخ عبدالعزيز التويجري دون أن نعرف ذاته وجهاً لوجه من خلال رسائله وخواطره الكثيرة المتناثرة في كتبه.
إن هذا الرجل الذي كان يعيش في ثوب واحد طوال السنة، ولا يأكل اللحم إلا في عيد الأضحى - كما يقول(27) - ولا يكاد يصدقه أبناؤه، عاش في رغد من العيش لم يغيره، ولم يدفعه إلى أن يتنكر لماضيه، ولم ينفِ الفاقة والفقر والعوز، بل انطلق في حكمة وعقل وبصيرة إلى التأمل والتفكير والبحث عن الباقي الثري في حياة الإنسان موقناً أن كل ما في اليد من متاع إلى فناء، أما ما ينفع الناس ويمكث في الأرض فهي قيم الخير والصدق والحق، وإشاعة كل معنى جميل، ووأد كل معنى قبيح.
قال لي في آخر لقاء رأيته فيه وهو يهم بركوب سيارته متكئاً على عصاه وعلى أحد معاونيه بعد أن شارك ضيوف المهرجان الوطني قبل أربع سنوات تقريباً أي في عام 1423 هـ حفل الغداء في فندق شيراتون الرياض: لقد انتهى كل شيء يا محمد! قلت له: لا بل أنت باقٍ يا معالي الشيخ، باقٍ فينا ما بقيت أخلاقُك وقيمك وأعمالك وسيرتك النيرة وأبناؤك البررة.

الحوشية
11-12-2006, 05:24
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/27.jpg


عندما يوجِز الكبار عشرة عقود في عشر دقائق
محمد القحطاني

قليلون هم الكبار .. وقليلون هم الأشخاص الذين إذا التقيتهم يزيدون في رصيدك المعرفيِّ.. وقليلون هم أولئك الذين وُلِدوا كباراً في فكرهم.. ومكانتهم.. وقيمتهم بين الناس.. إذاً قليلون هم الذين يشبهون معالي الشيخ عبد العزيز بن عبد المحسن التويجري.. هذا الشيخ الجليل الوقور كنتُ أتابع أثناء عملي الصحفي اسمه من خلال عمل إدارياً يؤديه حيث وظيفته الرسمية أو نشاطاً ثقافياً أو اجتماعياً من بعيد.. وكان وما زال حتى الآن محل غبطة الكثير من حَمَلَة الشهادات العليا بكلِّ تفرُّعاتها العلمية منها والأدبية.. وكثير ممن التقيتهم أو تحدّثت معهم عن معالي الشيخ عبد العزيز، كانوا يشيرون إلى معاليه باعتزاز وتقدير كبير لا يخلو من الحسد الأدبي لقيمته الثقافية الكبيرة، وأصالة لغته وصِدْق فكره وتفكيره، وكيف أنّه تمكّن من إخراج عدد من الأعمال الأدبية الرفعية وهو في قمّة انشغاله العملي الكبير.. بل إنّ البعض أعلن لي عجزه عن الكتابة، وهو حسد من عند أنفسهم-كما أراه- لقصور في فهمهم لنبل مقصدي.
بالتأكيد يغيب عن هؤلاء، أنّ معاليه يغيِّر رأي ورؤى من يقابله من أول وهلة فيما قد يذهب إليه تفكيرهم المحدود عن معالي الشيخ عبد العزيز التويجري حيث هو والنجاح صنوان.
في 23 ربيع الآخر الماضي كتبت مطالباً بتكريمه في مهرجان الجنادرية كونه عنواناً بارزاً في حب الوطن وأرجو أن يتم ذلك، وما آخالهم إلاّ فاعلين، وفاءً وعرفاناً لجهد وعطاء معاليه للوطن عامة ولمهرجان الجنادرية خصوصاً. ويمكن العودة للعدد 12288 من صحيفة الجزيرة لمن أراد المضمون.. وتفاجأت بمعاليه يطلب مني زيارته في بيته بعد نشر ذلك الموضوع.. قابلته ضمن عدد كبير من محبيه الذين يحبون في معاليه الوطن، فهو نموذجٌ حيٌّ لمن يعشق الوطن وقيادته وأهله.. وأراد معاليه أن يشكرني ويكرِّمني - عرفاناً منه على ما كتبت - فيما كنت أنا أطالب بتكريمه لأنّه كبيرٌ في كلِّ شيء حتى في تقديره للآخرين، بغضِّ النظر عن مكانتهم، ومواقعهم الثابتة والمتحركة.. فهو ينطلق من مكانته هو.. من قيمته هو.. من ثقافته الرفعية هو.. من نبل أخلاقه هو.. ولهذا طلب لقائي مرة أخرى.. منفرداً.. وفي منزله العامر شرفت بلقاءٍ هو من أعزِّ اللقاءات التي حظيت بها مع كبار الرائعين في مملكتنا الحبيبة، مثل معاليه ومثل العلاّمة حمد الجاسر - رحمه الله - الذي لن أنسى له ما خصّني به من توجيه لأمرٍ كتابيّ سأتفرّغ له قريباً بإذن الله لإنجازه بعد إحدى زياراتي له.
كانت عشر دقائق عرفت فيها من معاليه عن الوطن.. وعن قادة الوطن منذ الموحِّد المغفور له بإذن الله الملك عبد العزيز - طيَّب الله ثراه - وحتى خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز - أمدَّ الله في عمره - مروراً بالملوك سعود وفيصل وخالد وفهد - رحمة الله عليهم جميعاً -، ما لا يمكن أن أعرفه عبر الكتب والمراجع خلال عقد من الزمان حيث عدّد وأوجز وصفهم وشرح خصالهم ومناقبهم في ثناء صادق من رجل دولة مخلص ورجل أدب رصين في حق قادة ميامين، وأجزم أنني لم أسمع مثل دقة هذا الوصف من قبل، رغم متابعتي الإعلامية وقراءاتي الصحفية والكتابية طوال سنوات تناهز الـ40 عاماً مما يعني تميُّز معاليه في كلِّ شيء حتى وهو يصف العظماء والقادة على عجل وبتلقائية لا تكلُّف فيها كما يفعل غيره.
وعرفت من معالي الشيخ عبد العزيز التويجري عن تاريخه المرصَّع بالحب والوفاء والعمل والعطاء الصادق للوطن وقادته منذ صباه المبكِّر الشيء الكثير.. منذ أن التحق متطوّعاً بجيش الملك عبد العزيز - رحمه الله رحمة واسعة - وحتى عام 1426هـ، وهو التاريخ الذي ترجَّل فيه من عمله في الحرس الوطني كمساعد لرئيس الحرس الوطني.. وهي مكانة رفيعة في خدمة الدين والمليك والوطن لا تليق إلاّ بمثل معاليه وهم قلّة.. خرجت من لقاء معاليه وقرّرت بحكم أمانة الكلمة أن أتحرّك في حدود مساحة ركضي الصحفي للإشارة إلى معاليه بتلويحة ثقافية، يتبعها ما أستطيع تقديمه كتابة في كتاب على طريقة الأسلوب أو النهج الصحفي وليس الكتابة الأدبية، وهذا حقُّه عليَّ وحدي، ولهذا عرضت فكرة هذا الملف على الأستاذ إبراهيم تركي الذي ضحك ورحّب قائلاً: إنّ هذه الفكرة في قائمة أولويات المجلة الثقافية، وطالما أنّ الأمر كذلك فأرجو أن تبدأ أنت التنفيذ ليكتمل التكريم الذي ناديت به لمعاليه، فيما كان الأستاذ إدريس الدريس أكثر المتحمسين لإنجاز الفكرة وتطويرها لتكون كتاباً في حجم وقامة الشيخ عبدالعزيز التويجري وهو ما كان في مخيلتي أصلاً.
واليوم وأنا أشارك هنا ضمن نفر قليل من محبِّي معاليه القديرين.. ممن أحبّوا فيه الوطن.. والأدب.. والأصالة.. والقيمة الاجتماعية.. وسموّ الأخلاق والعطاء اللامحدود أدباً رفيعاً وفكراً أصيلاً.. أشير بكلِّ أسف أنّنا أضعنا فرصة الاستفادة والاستزداة من معالي الشيخ التويجري في جوانب كثيرة برع وتميَّز فيها من أهمِّها: حب الوطن.. والولاء للدين والمليك والوطن.. والإبداع الأدبي الرفيع الرصين.. فهو منجمٌ فكريٌّ كبيرٌ، وكنزٌ ثقافيٌّ غزيرٌ لم نحسن استغلاله كأُمّة سعودية بعامة.. ومثقفين بخاصة.
بعد لقائي بمعاليه في منزله الذي أكرمني ودعاني للقائه فيه، أحسست أنّ الجامعات أمام الشيخ التويجري تتقزَّم رغم مساحاتها.. وحجم مبانيها.. وكثافة طلابها وأساتذتها، لأنّها لا تستطيع أن تختصر لك المسافة بين المعرفة والجهل، بقدر ما يستطيع معاليه أن يفعل في لقاء لدقائق معدودة.. ولا يمكن لمراكز الأبحاث أن تختصر لك حجم الكلمة من ألِف النشأة إلى ياء النهاية، بمثل ما يوجز لك معالي الشيخ عبد العزيز التويجري.. في دقائق لعلَّها لم تبلغ العشر.. يستحيل على عباقرة العلوم والتقنية أن يديروا لك جهاز حاسوب، ويقدِّموا لك ما تريد من معلومة عن أيِّ شخصية.. أو حادثة.. أو كيانٍ حتى لو كان صغيراً، ما لم يكن قد تمَّت برمجته مسبقاً لهذا الغرض، وبمقدارٍ زمنيٍّ كبيرٍ.. لكن في زيارتي لمعاليه قدَّم لي - حفظه الله وأمدّ في عمره على طاعته ورضاه - خلاصة حياة، وتجربة مسيرة عظيمة، في غضون زمن لم يزد على 10 دقائق.. وكانت كلُّ كلمة يقولها معاليه لي تُعَدُّ عنواناً مكتملاً لموضوع كبير.. وعنواناً مكتملاً لكتاب أثير.. تحدَّث بأدب عظيم موجز عن مرحلة بدأت في زمن صباه، وانتهت في العام الماضي 1426هـ، عندما غادر معاليه ساحة البناء والعطاء الوطنيِّ الذي يذكره له وليُّ الأمر فيشكره على ما قدَّمه بإخلاص وصِدق، فكان النجاح حليفه، وهذا لعَمْرِي قمّة راحة الضمير والسعادة بالنجاح والتميُّز، أن تجد نفسك محل شكر وتقدير وليِّ أمر الأُمّة وأنت نفرٌ من هذه الأُمّة.
أقول إنّه خلال هذه الزيارة سمعت من الكلمات التي تصلح لأنْ تكون عناوين ومضامين لكتب كثيرة.. ولو كنت قريباً من مقام معاليه الفكريِّ والثقافيِّ، لخرجت على أقلِّ تقدير بمضمون أكثر من خمسة كتب، لكنني في مستوى فكريّ لا يُقارن بمعاليه، وهو ما يشفع لي أن أشير إلى مثل هذه المقالات.. والمقامات.. والقامات.. في قادِم الأيام، سواءَ كان ذلك عن الأسماء التي أشار إليها معاليه في مسيرته الحياتية والعملية.. أو عن معاليه شخصياً كهامة فكريّة كبيرة تليق بوطننا وأُمّتنا.. أو عن الأسماء الجميلة والكبيرة التي قابلتها خلال مسيرتي الصحفية التي تزيد على 30 عاماً، وسوف أعطي كلَّ ذي حقّ حقَّه الثقافي والصحافي والفكري .. إنّني وأنا أختم هذه المشاركة (الإشارة) عن معالي الشيخ عبد العزيز التويجري، أتمنى لو تم جمع كلِّ أحاديثه الشخصية وليست الصحفيّة المنشورة فقط أو المذاعة أو المتلفزة، بل كلّها مجتمعة وأن يُنشأ مركز ثقافي يضمُّ كلَّ ما كتب وقال، وتنقيحها من الخصوصية، لتكون متاحة لأيِّ باحث وطالب علم عالٍ وكلّ صاحب فكر وتفكير أدبي، وكلِّ باحث أدبي، فإنّ مثل هؤلاء سيجدون ضالّتهم فيما قاله معاليه.. فهو كنزٌ لم يُستَغَل ومنجمُ ألماسٍ فكريّ لم يُستَثمَر بعد.

الحوشية
11-12-2006, 05:26
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/28.jpg

النظرية الإنسانية في فكرالتويجري
أحمد بن زيد الدعجاني

أنخت راحلة ذكرياتي على قارعة الطريق الذي مَرَّ به جدِّي، وأطلت المكوث قبالة ذلك المنزل الذي بقي من أضلعه ما يوحي بأن كثيراً من مآثر العرب كانت تسكن فيه؛ فالكرم الذي يحرق آخر غصن يابس لتوقد عليه صحائف الجود والفضل والود الذي تلتوي فيه عواطف جياشة هي حبال الوصل من جيل لآخر.
عرفت رجالاً كالجبال يكتنزون علماً وفكراً وحنكة وحكمة، أبرزهم معالي الوالد الشيخ عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري، الذي كنت أتعطر بسيرته في نشأتي الأولى، وقربت منه أكثر عندما قرأت له مجموعته الأولى، التي جعلها موجهة لولده، وأنا ولده، وكأني به من خلال مفردات رسائله يدعوني للارتقاء بهمة لتلك المنازل العالية التي تسكن في قمم أمثاله، وتصعد بي عباراته إلى سحب الخيال المجنح، فتمطرني بما يغسل هموم الأيام والليالي، وكدورات اللحظات والساعات، ثم دنوت منه أكثر بعد أن تشرفت بالعمل سكرتيراً لمعالي الأستاذ الدكتور محمد بن أحمد الرشيد، الذي علمني من جملة ما علمني الأسلوب الأمثل للنهل من معين المفكر العلم أبي عبدالمحسن.. إذ كانت شفاعته لكثير من الناس رسائل إنسانية راقية ومواقفه مع الإنسان أيا كان موقعه ترقى به إلى أعلى مراتب النبل والجود.. ولعلي وأنا أقف على نماذج من بنات فكره، أضع اللبنة الأولى في مشروع متكامل لدراسة فكر (عبدالعزيز التويجري) الذي جعل النظرية الإنسانية أكثر شفافية وأعمق بُعداً، وأمضى سلاحاً للتواصل بين الناس.
فالإنسانية شعور أكبر من كل المشاعر.. وأرحب من كل الخواطر، ولا تكون إلا للمشاعر النبيلة وفق القيم السامية.
وهو يرى أن التفرقة العنصرية ليست من الإنسانية، والقهر الفكري والاجتماعي منافٍ للإنسانية، وقبل ذلك الإسلام دين الإنسانية، جاء إلى الناس كافة؛ لأنه جاء بكل القيم العليا، والعلاقات الراقية، دون تفرقة بسبب لون أو زمان أو مكان.
قالوا: المتنبي شاعر الإنسانية؛ لأنه في كثير من معانيه خرج عن حدود الذات والجماعة إلى مساحات بلا حدود، هي الإنسانية، وهذا ما جعلهم يقولون عنه إنه شاغل الناس في عصره وبعد عصره، ولا يزال يشغلنا حتى اليوم.
والأديب عبدالعزيز التويجري يؤثر هذا الجانب الإنساني في كثير من معاني شعر المتنبي، ولا سبيل إلى حصر ذلك الآن.
لقد بحثت عن تلك النظرية الإنسانية في ثنايا فكره، فوجدتها نابعة من صميم حياته وبيئته، حياته العربية تمتد في اتساع هذه الجزيرة العربية، التي فرضت عليها ظروف الحياة أن تتسم بالإنسانية، فالنجدة والشهامة، والحمية والغيرة، والكرم والعطاء، كلها صفات إنسانية عرفتها الجزيرة العربية قبل كل بلاد الدنيا وامتدت جذورها حتى اليوم، واستمد ذلك النبع الإنساني بكل فيوضاته الإنسانية من الدين الإسلامي الذي امتلأت آيات كتابه المبين بالحديث عن الإنسان؛ إذ وردت كلمة (إنسان) نحو سبعين مرة في القرآن الكريم، مثل قوله تعالى {خَلَقَ الْإِنسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ}، وقوله تعالى {لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ}.
من هنا جاءت هذه الشفافية في نظرته الإنسانية، وقد ظهرت بوضوح في كل كتاباته، وكل أفكاره عن الحياة، وعن التعامل معها ومع الناس ومع علاقته بذويه وبالآخرين قال في إحدى رسائله: (وقد تعودنا نحن عرب الصحراء أن نثير مطايانا للسرى عندما تبرك أنثى السماء في مهجعها وتختفي في الأفق الذي ما كنا ندري ما لونه وما حدوده وما نوع الفراش الذي تنام عليه، كانت سذاجتنا، حين نراها تتهادى إلى مغيبها على سعف النخيل، نتصور أنها هابطة على أدنى وأقرب كهف من منازلنا، ولم ندر ما البعيد وما القريب، ففتحات نوافذ البيوت الذاتية فينا، إذا نحن أجهدنا النفس وفتحناها لنرى ما وراءها ابتلعت الرؤية في أفواهها الجائعة إلى الحقيقة). ويصور الجانب الإنساني في قصص بعض نساء العرب اللاتي صرن أمثلة تهم كل إنسان هام بالفضيلة: (ليتهم يقرؤون قصص الأمهات والآباء عبر الزمن في هذه الصحراء، ليت راكبات الهودج أو ساكنات الكوخ اللواتي ضربن خيامهن في منازل عبلة وليلى وبثينة وعفراء وبنات المحلق وغيرهن، تزورهن ابنة الجامعة والمدرسة، فتقف على الأطلال والرسوم تسائلهن عن الجدات والأمهات كيف كن، وكيف صرن أمثلة في فم كل إنسان هام بالفضيلة وضاق بالتفسخ والانحلال، حتى شاعر باريس (أراجون) وحتى شاعر ألمانيا (جوته) ركبوا جناح الخيال وضربوا خيامهم في أودية نجد يسائلون الجبل والوهاد والوادي والشعب، أهنا ضربن خيامهن؟ أمشت أقدامهن الطاهرات في هذا القاع؟ ورعين البهم صغاراً وكباراً كأمهاتهن؟). ويؤكد هذه الشفافية الإنسانية في حديث القلب إلى القلب، في حديث الأب إلى الابن تلك هي أسمى المشاعر والعلاقات الإنسانية.. اقرأ معي قوله:
(كم جادل الإنسان في سريرته وعلانيته هذا الكون عن الله وحاول بكل لون من ألوان الجدل أن ينفيه ويثبته، قاس في الأزمنة البعيدة وفق مقياسه سماءه وأرضه بالمقياس الذي قطعه من شجرة ذهنه، فطال الجدل حتى وصل حبله إلينا اليوم فتحول الجدل والتجويع والترويح في فمه وفي أرضه إلى أعاصير وأتربة في فم رواد الفراغ والذين لا يستطيعون أن يملؤوه بالتواضع وبمقياس طولهم وعرضهم في الأطوال البعيدة والبدينة، أتراهم لاحقين بشيء في خطاهم التي لا تزال هي هي في خطى الوليد؟ فالله خلق الكون والإنسان، ما هو معلوم وغير معلوم من الأشياء.
خطل ما بعده خطل أن نتأله ونؤله المادة في هذا الكون الواسع المليء بالأسرار، وعجز ما بعده عجز أن نغير في ناموس الحياة والكون ولا نقول عل الله غير ما قاله الكتاب العزيز:
{لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}وقوله تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ}.
هنا تقع مسؤولية عظمى أمام هذه المشاهد الكونية التي إذا تطلعنا إليها وتابعتها رؤيتنا اهتدينا إلى الله بقطرات ندية وخفقات رحيمة من الوجدان ومن التواضع، فلا شيء فينا يعمينا عن قدرنا وعن حجمنا وعن قدرتنا، غير الكبرياء الزائف، وليس أهدى طريقا للإنسان في حياته من التواضع وسط أكوان خاشعة متواضعة كل منها سائر على جادته لا يقوده رسن ولا تضربه عصا من القفا، فقانونه الطبيعي الذي وضع قدمه عليه هو رسنه وهو حاديه الذي يحدو له؛ لأنها الطاعة التي تتعبد بها خالقها وسيرها إلى قدرها المحتوم).
ثم يضعنا بعد هذا الحديث الإنساني الأبوي أمام أمنيات إنسانية رفيعة الدلالة سامية المقصد، ذات فلسفة إنسانية عميقة الإدراك لهذا المعنى المحيط.. يقول: (ليت الإنسان، أي إنسان، يرقى ويصعد فوق مراكب وعيه الروحية والخلقية مثلما صعد فوق مراكب الفضاء! البعد الذي لا حدود له، والنجوم التي لا تنطفئ ولا تلقح دونها الرياح الضباب هي في أعماق الإنسان وفي نفسه!).
وها هي ذي نجوم سماء الإنسانية الأخلاقية تضيء مجالات هذا العالم الذي يمكن أن يتحول إلى ظلام دامس لولا هذه المعاني السامية وها هو: (التسامح والإيثار والوفاء سبيل متى ما قامت عليه علامات من مكارم الأخلاق سهلت على الإنسان متاعب الحياة، ووصيتي لك أن تكون قادراً على الارتفاع بنفسك من السفح إلى القمة. وفي المقارنة بين حمامة الدوح وغراب البين وبومة الخراب تجري بنا المقادير وتحملنا فوق الأعواد اليابسة التي اختارها غراب البين نذيرا بالنهاية، فما رأينا شجرة خضراء ظلت ملاذاً للإنسان الخائف، أبداً فهي خائفة وملاحقة بالفناء مثله!).
ويعود المفكر الإنساني إلى الحديث مع ابنه، وكأنه يرى أن هذا الحوار هو أصدق ما يمكن أن يكون؛ ذلك لأن حوار الأب مع ابنه هو الذي لا تدخله المجاملات، أو المغالطات، بل هو التوجيه الصادق إلى أسمى المعاني، وأرحبها، المعاني ذات البعد الإنساني الرحيب.
(إن مشاعرك الإنسانية، تتطلب منك الكثير من الأمور، فأنت إنسان، والإنسان الحق لا حقد لديه، ولا شر، لا بغضاء ولا أنانية، لا خوف ولا إذلال، لا شح ولا قتر، كل القيم والأخلاقيات الكبرى تندرج تحت مسمى الإنسان).
وتلك النظرية الإنسانية التي تغلف فكر عبدالعزيز التويجري هي نظرية ارتقت فوق كل مستويات الموجودات حتى علت إلى المستوى الأعلى، وهو مستوى الإنسانية، حوار فلسفي بعيد المغزى، ينقله أديبنا إلى ابنه قائلاً:
(خشيتي أن يكون في سمعك وقر، وفي بصيرتك عمى، فأصرخ أو لا أصرخ، أحزن أو لا أحزن، أبكي أو لا أبكي، لا شيء يصلك أو تسمع صداه، فمتى تهدل أحزاني في نفسك هديل الحمام؟ أسألك وسؤالي في عمر الوليد لم يكبر ولو كبر لانقضت رحلة الشتاء، وفاضت بنا على الربيع، وعندئذ تقف بنا الدورة الزمنية عند قدمه وتنتهي المشكلة! فهل لي وأنا أرقب المشكلة من بعيد أن أضع المجهر في عينك لتبصر رتابة ممشى الزمن وتثاقل خطاه فوق رمال الجهالة؟ والأسماع المرهفة في إصغائها إلى خطوة فجرت بها الأصوات المنكرة).
وهل ابنه هذا إلا غصن غض من دوحة كبرى، ذات ظلال وارفة على سائر الإنسانية.. إن العرب والمسلمين قد وضعوا بصماتهم الإنسانية على كل مجالات الحياة الإنسانية في سائر المعمورة، وحق لهم بذلك قيادة هذه الدنيا، لأنهم اتسموا بالمثل العليا التي تجعلهم النخبة والقدوة.
(في تصوري أن اختيار نخبة من عالم العرب والمسلمين يزكيها إخلاصها وتقاها وسعة أثوابها العلمية التي لا تضيق بكل سؤال وإن كان بديناً وثقيلاً حمله، فتقدم لهذه الأمة الصورة الكريمة عن فضائل هذه الرسالة التي لا جناح يذهب بعيداً ولا عدالة على هذه الأرض، إن كانت سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية إلا والرسالة الإنسانية والهداية مصدرها).
(ولدي:
ليت الإنسان منا - عربا ومسلمين - يصغي في وقار خجول مستح من الله فيقف من نفسه موقفا، لا تحمله على كفها حماقة النفس والانفعال والغضب والكره والحقد فيحمل أثقل الاحجار على هامة غروره وجهله فيلقيها على كبد مجتمعه دون رحمة أو شفقة).
ويصل إلى الطريق الذي تظل معه شجرة الإنسانية مورقة، وتبقى القيم الإنسانية ناضرة، وتعيش الإنسانية سامية مزدهرة.
(وسقي الشجرة الإنسانية لا يأتي من مياه الغمام أو مياه السحب التي تثيرها الرياح على الصحراء فتحط مياهها ثم تنشف في فم حرارة الشموس، هذه حركة أو دورة زمنية أو غضبة من غضب الرياح أو رضاها تعطي للحياة لوناً من ألوان الربيع ثم يغتاله الخريف، وهكذا يجري معنا المشهد عاماً بعد عام، فشجرتنا لا وادي لها غير الوادي النفسي ولا هامة لها في جبل غير جبل الوعي، متى وعيت هذه الحقيقة وأنزلت كل ثقلك عليها).
تلك هي لمحة من شفافية النظرة الإنسانية التي تقوم عليها فلسفة عبدالعزيز التويجري، ولست أتناوله من حيث كونه أديباً فقط بل بصفته أديباً متأثراً باتجاهات الأدب الإنسانية. وإذا أردنا التعرف على هذا الاتجاه وجدنا أنه لم يرتبط باتجاه واحد، ليستقي منه هذا التوجه الإنساني.
لقد أخذ من الشعر العربي في عصور ازدهاره ما ارتوت به شاعريته من المثل الإنسانية التي دعمت الفضيلة وأثرت بوضوح في سياق الفكر البشري كله، وسوف يبقى الشعر العربي القديم والإسلامي والعباسي معيناً للقيم الإنسانية التي ستظل البشرية ترتوي من نبضها. ثم هو يأخذ من الرومانسيين التعمق في النفس الإنسانية وتحليل مشاعرها، وهو متأثر أيضاً بشعراء المهجر من حيث النزعة الإنسانية التي انتهوا إليها وهم في مهجرهم حيث تتجمع كل النماذج البشرية من كافة أرجاء المعمورة، وهناك انطلق فكرهم دون حدود في ظل هذه الإنسانية غير المحدودة.

الحوشية
11-12-2006, 05:27
http://www.al-jazirah.com/culture/11122006/29.jpg

يا جبل الوقار
يحيى السماوي

هذا المستحمُّ بعبير المروءة... المتوضّئ بندى مكارم الأخلاق... الساجر تنّور حكمته ليملأ صحن شكنّا بخبز اليقين... والضارب في براري التأمل حالباَ ضرع البلاغةِ، ناسجاً بِمِنْوَل بيانه، خيمة من الدفء والعشب لصحراء الأبجدية... كيف لسنديانة قصيدتي أن تحيط ببساتينه وواحاته ؟
أبدو كالذي يحاول جمع ماء نهر بعيد الضفتين في كأسٍ !! أو، هذا ما أشعر به كلما حاولت الكتابة عن جبل الوقار الأديب العربي الكبير معالي الشيخ عبد العزيز التويجري.
إلى الأديب العربي الكبير معالي الشيخ عبد العزيز التويجري: (مواصلة لحديث وصدى لبيان)

رويدَكِ... لا الملامُ ولا العِتابُ= يُعادُ بهِ - إذا سُكِبَ- الشرابُ
فليس بمُزهِرٍ صخراً نميرٌ =وليس بمُعشِب رملاً سَرابُ
عقدتُ على اليَبابِ طِماحَ صحني =فجادَ عليَّ بالسَغَبِ اليَبابُ
وجيّشتُ الأمانيَ دونَ خطوٍ =فشَاخَ الدربُ واكتَهَل الإيابُ
ولمّا شكَّ بي جسدي وكادتْ =تُعيّرني المَباهجُ والرِّغابُ
عزمتُ على الحياةََ ورغّبتني =بها خُودٌ ودانيةٌ رِطابُ
صرختُ بها :أَلا يا نفسُ تبّاً =أتالي العمرِ فاحِشةٌ وعابُ؟ (1)
وكنتُ خبرتُ- بِدءَ صِباً - جنوحاً =إلى فرحٍ نهايتهُ اكتئابُ
وجرَّبتُ اللذاذةََ في كُؤوسٍ =تدورُ بها الغَوانيَ والكَعابُ
وأوتارٌ إذا عُزفتْ تناستْ =رزانتَها الأصابِعُ والرقابُ
فما طَرَدَت همومَ الروحِ راحٌ =ولا روّى ظميءَ هوىً رُضابُ
حرَثتُ بأضلُعي بُستانَ طَيشٍ =تماهى فيهِ لي نفرٌ صحابُ
فلم تنبتْ سوى أشجارِ وهمٍ =دواليها مُخادِعةٌ كِذابُ
أفقتُ على صخورِ الحلمِ أقوتْ (2) =فمَمَلكَتي الندامَةُ والخرابُ
وقَرَّبَ من متاهَتهِ ضَياعٌ =وباعدَ من جنائِنهِ مآبُ
وجئتُكِ مُستَميحاً عفوَ قلبٍ =له في الحبِّ صدقٌ لا يُشابُ (3)
كفى عتَباً... فأن كثير عُتبى =وطول مَلامَةٍ ظُفُرٌ ونابُ
غريبٌ... والهوى مثلي غريبٌ =ورُبَّ هوىً بمغتَربٍ عقابُ
كِلانا جائعٌ والزادُ جمرٌ =كلانا ظاميءٌ والماءُ صابُ (4)
كِلانا فيهِ من حُزنٍ سهولٌ =وأوديةٌ... ومن ضَجَرٍ هِضابُ
صبرت على قذى الأيام ألوي =بها حيناً... وتلويني الصِعابُ
أُناطِحُ مُستَبدَّ الدهرِ حتى =تَهَشّمَ فوق صخرتهِ الشبابُ
رويدكِ...تسألينَ عن اصطخابٍ =بنهري بعدما نشَف الحَبابُ ؟ (5)
وكيف نهضتُ من تابوتِ يأسي =فؤاداً ليس يقربهُ ارتيابُ ؟
وكيفَ أضأتُ بالآمالِ كهفاً =بمنفىً كانَ يجهَلُهُ الشهابُ ؟
بلى.. كنتُ السحَابَ يزخُّ هَمّاً =وما لنخيلِ أحزاني حسابُ
شُفيتُ فلم أعدْ ناعورَ دمعٍ =وهاأنا ذا ينابيعٌ وغابُ
رويدكِ... ما لزهرائي استحمّت =بنهرِ ظنونها وأنا الصوابُ ؟
إذا شِئتِ الجوابَ فليس عندي =ولكن: في (المُجمّعةِ) الجوابُ (6)
سليها عن فتاها فهي أدرى... =سلي تُجِبِ اليراعةُ والقِبابُ (7)
تخيّرهُ الوقارُ لهُ مثالاً =وتاهتْ في رحابتهِ الرحابُ
فتى التسعين... لا أغراهُ جاهٌ =ولا الحسبُ المُضيءُ... ولا اكتسابُ
تُنادمهُ الفيافي حين يغفو =وإذ يصحو يسامِرهُ السَحابُ
كأنَّ لقلبِهِ عقلاً ..وقلباً =لعَقلٍ فهو سَحٌ وانسيابُ (8)
أحبَّ الناسَ ما قالوا «سلاماً» =وما ذهبوا لمكرمةٍ وآبوا
لهُ ب(الأحمدينِ) رفاقُ دربٍ =هما منهُ السُلافةُ والرَبابُ (9)
قَصَدْنا حقلَهُ أربابَ حرفٍ =لهم بِظلالِ حكمتهِ طِلابُ
طرقتُ البابَ مُنتظِراً جواباً =فردَّ عليَّ- قَبلَ بنيهِ- بابُ (10)
دخلتُ فأسكَرَ الترحابُ خطوي =وقد ثمِلتْ من الطيبِ الثيابُ
جلستُ إليهِ... في جفني ثباتٌ =وفي شَفَتي - من الذُهلِ - اضطرابُ
تَحَدَّثَ فالفصاحةُ في بيانٍ =تُوَشّيها معانيهِ الخِلابُ
وما خَطَبَ الحكيمُ بنا...ولكنْ =حِجاهُ لكلِّ ذي لبّ خطابُ
يرى أن الحضورَ بدارِ دُنيا =بلا تقوى وطهُرِ هوىً غيابُ
وأنّ المرءَ مرعىً... والأماني =ظِباء... والمقاديرُ الذئابُ
وأنَّ الدُرَّ قيمتُهُ بعزمٍ =تلينُ لهُ العواصفُ والعُبابُ
وأذكرُ بعضَ ما قال انتصاحاً: =(أخبزٌ دونَ جمرٍ يُستطابُ)؟
وعلّلَ...فالعيونُ إليهِ تُصغي =بدهشِتها... أجابَ وما أجابوا
فتى التسعين... أكثرنا شباباً =وأفتى لو تسابقتِ اللبابُ
أبا الأبرارَ طبتَ لنا طبيباً =وقنديلاً إذا دَجَتِ الشعابُ
وطبتَ مُنَقّباً في أرضِ فكرٍ =عليها من غشاوتِها نِقابُ
ويا جبلَ الوقارِ أرى ذهولي =يُسائلني وقد شُدَّ الركابُ:
جلستُ إليكَ يُثقلني ظلامٌ =وقمتُ وللسَنا بدمي انسيابُ
أعطرُكَ أم شميمُ عرارِ نجدٍ =سرى بدمي فضاحَكني الشبابُ؟
***
(1) تالي العمر: أواخره.
(2) أقوت: هوت. اندرست.
(3) لا يشاب: لا يشك به.
(4) الصاب: نبت شديد المرارة.
(5) الحباب: الفقاقيع التي تعلو الماء أو الراح.
(6) المجمعة: من بلدان نجد حيث ولد الشيخ التويجري.
(7) في البيت إشارة إلى المدارس والمساجد التي بناها التويجري في المجمعة من ماله الخاص.
(8) السح: المطر الشديد الذي يقشر وجه الأرض.
(9) الأحمدان: هما الشاعران أحمد بن الحسين الجعفي الكوفي (المتنبي) وأحمد بن عبد الله. التنوخي (أبو العلاء المعري) والمعروف عن الشيخ التويجري هيامه بهذين الشاعرين وحفظه لأغلب أشعارهما وله فيها دراسات نقدية وتأملية ومنها كتاباه القيمان(في أثر المتنبي بين اليمامة والدهناء) و(أبي العلاء.. ضجر الركب من عناء الطريق) وغيرهما من كتبه.
(10) من تقاليد الضيافة في دار التويجري، أن أبناءهُ هم الذين يقومون بخدمة الضيوف إيغالا في الضيافة والكرم

الحوشية
11-12-2006, 06:03
شكرا من اعماق كل مجمعاوي للكتاب الذين سطرت اقلامهم اجمل الكلمات عن الوالد الشيخ /عبدالمحسن بن عبدالعزيز التويجري حفظه الله

ولو اعطيت الاقلام لرجال المجمعة لعجزوا ان يكتبوا عن هذا الرجل لان الكلمات التي سيكتبون لن ولن تفي بحق رجل بذل واعطا لبلده وديرته المجمعة
فله منا كل الشكر والتقدير
واسال الله العلي القدير ان يشفيه ويعافيه

خالد أباحسين
11-12-2006, 07:22
الوالد الشيخ /عبدالمحسن بن عبدالعزيز التويجري حفظه الله

رجل لايختلف عليه أثنان
قدم ولا زال يقدم الكثير والكثير من الاعمال الطيبه
كثر الله من أمثاله وأطال الله في عمره واسبغ عليه لباس الصحه والعافيه

الف شكر لك أخي العزيز / الحوشيه على هذا النقل الطيب

تحياتي وتقديري ،،،

زمان يافيحاء
12-12-2006, 09:20
الشيخ / عبدالعزيز بن عبدالمحسن التويجري ( شفاه الله )
رجل من رجل الوطن الأوفياء الذين افنوا حياتهم في جهود شامخة عرفها البعيد قبل القريب في العالم العربي والاسلامي
ويفتخر به الوطن في كل مكان وفي كل وقت0
ونتغنى دائماً به نحن ابناء المجمعة ونرفع اكفنا له دائماً بالدعاء لما قدم ويقدم لهذه المدينة من جهود عظيمة اسال الله ان يجعلها في ميزان حسناته يوم لا ينفع مال ولا بنون0
وهي فرصة عظيمة ان ازجي وارفع اعظم الدعوات له ان يعافيه ويشفيه
ولي ذريته بالصلاح والتوفيق فلقد كانت لي مواقف جدا رائعة مع ابناء( عبدالمحسن- محمد - خالد - عبدالسلام -) تنم انهم امتداد لوالدهم في التواضع والكرم والجود فنعم الابناء لوالد وقور معطا0

الحوشية
12-12-2006, 05:49
خالد اباحسين
زمان يافيحاء
شكرا لمروركم وتعليقكم

هواي نجدي
01-01-2007, 03:05
جدا رائع .....